
في لحظة يبحث فيها السودان عن أي نافذة للخروج من عزلته، تحرك رئيس الوزراء كامل إدريس نحو ساحتين دوليتين تحملان وزناً رمزياً كبيراً.
الظهور الأخير لرئيس الوزراء كان عبر لقائه في الفاتيكان مع البابا ليو الرابع عشر. خرج اللقاء ببيان مشترك شدد على ضرورة وقف إطلاق النار فوراً، وتكثيف المساعدات الإنسانية، وفتح حوار صادق بين جميع أطراف الأزمة السودانية. هذا التحرك منح الحكومة ورقة أخلاقية مهمة، كونه صدر عن مؤسسة دينية لا تمتلك مصلحة سياسية مباشرة في الصراع.
أما الظهور القادم فسيكون على منبر اتحاد أكسفورد، حيث سيخاطب إدريس طلاباً وقادة مستقبليين في نقاش مفتوح حول مسؤوليات القيادة في زمن الأزمات، وأهمية التعاون الدولي في بناء السلام، وصون الكرامة الإنسانية، ودعم مسارات التعافي.
هذه التحركات تعكس محاولة الرجل لعب دور المبعوث المدني للحكومة، كما تشير إلى امتلاكه هامشاً للحركة الدبلوماسية لم يكن متاحاً للواجهات الشكلية السابقة. ورغم ذلك لم تختف الشكوك القديمة حول كونه مجرد واجهة مدنية، لكنها تراجعت نسبياً أمام هذا الحراك الخارجي النشط.
لكن المفارقة ظهرت داخلياً عندما وجه إدريس رسالة مفتوحة إلى النخب السودانية، وصف فيها الكفاءات المترددة في الانخراط بالعمل العام بـ”أولاد الناس النضيفين” الذين لا يلبون دعوته للمشاركة في حمل الهم الوطني. العبارة كشفت عن حجم الإحباط الذي يشعر به نتيجة عزوف كثير من الكفاءات عن الانخراط في العمل التنفيذي، كما أعطت انطباعاً بأنه يرى نفسه يتحمل المسؤولية وحيداً.
ويبقى الحكم النهائي على تجربته مرتبطاً بأمرين أساسيين: أولهما مدى استعداد المؤسسة العسكرية لمنحه مساحة سياسية حقيقية للعمل، وثانيهما استجابة النخب السودانية لدعوته للمشاركة وتحمل المسؤولية.
فإذا تحقق هذان الشرطان فقد يكون السودان أمام فرصة مختلفة عما عرفه بعد الثورة. أما إذا تعثر أحدهما فإن التجربة قد تتحول إلى نسخة جديدة من سيناريو الواجهات المدنية التي عرفها السودان مراراً.
وفي الختام، فإن كامل إدريس بخلفيته الأكاديمية وتجربته الدولية لا يملك مفاتيح الحل السحري لأزمة معقدة وحرب مفتوحة. الرجل تحرك في الإطار المتاح له إدارياً ودبلوماسياً، لكن تحويل هذا الحراك إلى أثر ملموس لا يتأتى بالانتظار والرهان على المعجزات. هو يحتاج إلى سند شعبي وسياسي، لأن الدول لا تنهض بجهد فرد مهما علا، وإنما تنهض حين تلتقي إرادة الدولة بإرادة الشعب.



