مقالات

شموخ تكتب : الحظر ليس حلاً.. عندما تصبح القرارات الحكومية وقوداً للفوضى

في كل مرة تخرج علينا الحكومة بقرار حظر، ينتابنا نفس السؤال المر: من الذي يفكر لهؤلاء، وإلى أين يريدون الوصول بنا بالضبط؟ آخر هذه القرارات كان إعلان محلية الخرطوم حظر جميع الكافيهات وأماكن الشيشة وأندية المشاهدة وبيع الشاي في الشوارع الرئيسية، وهو قرار يلبس ثوب النظام لكنه يخلق فوضى ويضرب متنفس المواطن الوحيد في عاصمة تفتقر أصلاً لأدنى مقومات الترفيه. القاعدة الذهبية التي تتجاهلها هذه القرارات دائماً: كل ممنوع مرغوب، وكل محظور له سوق سوداء. حظر سلعة أو خدمة لا يلغي الطلب عليها بل ينقله من العلن إلى الخفاء، فتظهر “كافيهات الظل” في البيوت والأزقة بلا رقابة صحية وبأسعار مضاعفة، وتدخل الأموال جيوب الأفراد بدل خزينة الدولة، وتضاف تكلفة المخاطرة على السعر. نحن نتحدث عن الخرطوم التي يفترض أن تكون نموذجاً في التنظيم والخدمات، لكنها تعيش بلا كهرباء مستقرة ولا مياه منتظمة، وينتشر فيها البعوض وحمى الضنك، وصيفها حر لا يطاق. وفي هذا الواقع، ست الشاي والكافتيريا ونادي المشاهدة ليست ترفاً بل صمام أمان نفسي للمواطن والنازح العائد. فإذا حظرتم المتنفس الوحيد، فلا تسألوا لماذا يهاجر الشباب ولماذا تزيد الجريمة والاكتئاب. القرار الحالي يعني ضمناً أن النشاط مسموح في الأزقة الداخلية، وهذا ليس حلاً بل ترحيل للمشكلة. فالشارع الرئيسي فيه نور وشرطة ورقابة مجتمعية، أما الأزقة المظلمة فهي بيئة للجريمة والتحرش والنهب، وبهذا القرار تزيدون العبء على الأجهزة الأمنية بدل تخفيفه. السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا عقلية “امنع واقفل” هي السائدة؟ ولماذا لا توجد عقلية “نظم واستفد”؟ التقنين يعني تراخيص واشتراطات صحية وضرائب تدخل الخزينة وفرص عمل للشباب ورقابة على الجودة، بينما الحظر يعني بطالة وسوقاً أسود وصفر ضرائب وفساداً. الدولة الذكية تحول التحدي إلى إيراد، والدولة العاجزة تختار المنع. قبل إصدار أي قرار مصيري، افتحوا منصة تواصل إلكترونية واستشيروا أهل الاختصاص. فالبلد مليئة بخبراء اقتصاديين واجتماعيين وقانونيين مستعدين للمساعدة مجاناً. وبدل الحظر نظموا: ضعوا اشتراطات واضحة وافرضوا رسوماً معقولة وراقبوا المخالفات، لكن لا تقتلوا النشاط. واحسبوا الأثر الاجتماعي: كم أسرة ستفقد رزقها؟ وكم شاب سيتحول لعاطل؟ وكم من لاجئ أو نازح سيرفض العودة؟ الوطن لا يبنى بالمنع بل بالشراكة والثقة والتخطيط العلمي. افتحوا الأبواب للعقول قبل أن تغلقوا أبواب الرزق على الناس، فالتاريخ لن يذكر من حظر، بل سيذكر من عمّر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى