
الصمت الذي يسبق المجزرة في نيالا ليس استثناء بل تأكيد لقاعدة باتت راسخة في الحرب السودانية: كلما لاح في الأفق حديث عن تفاوض أو هدنة أو حتى مجرد تسريبات عن تقدم عسكري لأحد الطرفين أعقبه تصعيد ميداني أشد شراسة فالرصاص لا يهدأ مع الكلام بل يستعر.
عزلت مليشيا الدعم السريع مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور عن العالم بقطع كامل للاتصالات والإنترنت وذلك في أعقاب ضربات جوية وصفت بالدقيقة نفذها الجيش السوداني واستهدفت مقار ومخازن سلاح تابعة للمليشيا داخل المدينة.
وبحسب مصادر ميدانية يسود المدينة الآن ارتباك أمني كبير في صفوف المليشيا ترافق مع حملة اعتقالات عشوائية طالت مدنيين وعناصر قالت المصادر إنهم مرتزقة أجانب وتتزايد المخاوف من وقوع انتهاكات واسعة النطاق تحت جنح التعتيم الإعلامي المفروض قسرا حيث رجحت المصادر ذاتها أن قطع الاتصالات هو تمهيد لعمليات انتقامية بعيدا عن أعين الرقابة.
الضربات الجوية التي نفذها الجيش على مخازن السلاح في عمق نيالا هي في حقيقتها حديث تفاوض بلغة الميدان. إنها رسالة مفادها أن القوات المسلحة قادرة على الوصول إلى العمق الاستراتيجي للمليشيا وهذا النوع من الضربات يسبق عادة أي حراك سياسي لأن من يسيطر على الأرض هو من يملي شروطه على الطاولة لاحقا.
رد المليشيا بقطع الاتصالات فورا لم يكن إجراء أمنيا اعتياديا بل خطوة تكتيكية مدروسة تخدم عدة أهداف تفسر لماذا تشتد الحرب كلما اقترب الكلام عن السلام. أولها كسب أوراق تفاوضية جديدة فخسارة مخازن السلاح ضربة موجعة والرد عليها يكون بخلق واقع جديد على الأرض تحت جنح الظلام حيث يمنح هذا الصمت الذي يسبق المجزرة المليشيا هامشا لشن حملات اعتقال وتصفية وفرض سيطرة بالقوة بحيث أنه عندما تعود الشبكة يكون الواقع الميداني قد تغير لصالحها.
الهدف الثاني هو إفشال الأثر المعنوي للضربة فالضربات النوعية تزرع الأمل لدى المواطنين بقرب الخلاص وقطع الإنترنت يهدف لقتل هذا الأمل في مهده وتوجيه رسالة للسكان مفادها أن المليشيا لا تزال صاحبة اليد العليا مما ينسف أي مناخ إيجابي قد يمهد لتفاوض.
كما أن قطع الاتصالات يستخدم لاستغلال واحتواء الارتباك الداخلي فالأنباء عن اعتقال مرتزقة أجانب تشير إلى وجود تصدع وانهيار في الثقة داخل صفوف المليشيا بعد الضربة وقطع الاتصالات يمنع هذا الارتباك من التحول إلى تمرد أو هروب جماعي ويستخدم كأداة لإعادة لم الصفوف بالقوة.
إضافة إلى ذلك فإن التعتيم يوجه رسالة مزدوجة للخارج تقول لا توثقوا خسائرنا ولا انتهاكاتنا وللداخل تقول نحن لم نهزم ونستطيع معاقبتكم بصمت فالتعتيم هنا سلاح ردع نفسي.
ما يجري في نيالا اليوم هو الفصل الأول من جولة انتقام جديدة فالتجارب تقول إن كل تعتيم إعلامي يعقبه كشف عن فظائع ارتكبت في الظلام والتفاوض في أزمنة الحرب لا يوقف الرصاص دائما بل أحيانا يزيده لأن كل طلقة اليوم هي بند في اتفاق الغد.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس متى ستعود شبكة الاتصالات إلى نيالا بل ماذا سيكتشف عندما تعود وماذا كان يغطي هذا الصمت الإجباري. فالصمت الذي يسبق المجزرة هو الإنذار الأخطر الذي يجب أن نسمعه جميعا.



