مقالات

شموخ عمر تكتب : والي الجزيرة.. رجل ينهض بولاية تحت الرماد ويُحارب لأنه أعطى

حين تنظر إلى خارطة السودان الممزقة، تلمح في قلبها جرحًا اسمه الجزيرة. ولاية كانت سلة غذاء البلاد، فأصبحت سلة أوجاعها. نزحت إليها المدن، وتكدس فيها الوجع، وتكالب عليها الإهمال من المركز والاستهداف من المتربصين. في هذا المشهد القاتم، برز رجل قرر أن يحمل الفأس لا ليحفر قبرًا، بل ليبني وطنًا مصغرًا من تحت الرماد. إنه والي الجزيرة.

لم تكن مهمته إدارة ولاية، بل كانت إنقاذها. تسلم زمامها وهيكلها الإداري يترنح، وخزنتها خاوية، وشوارعها تضج بالنازحين، ومرافقها تنزف بسبب حرب لم تخترها. كان الخيار الأسهل هو أن يتحول إلى “والي تصريف أعمال”، يبرر العجز بالظروف ويعلق الفشل على شماعة الحرب. لكنه اختار الطريق الأصعب: طريق النهضة تحت القصف.

بدأت معركته من أبسط الحقوق وأعقدها: الماء والكهرباء. في وقت كانت فيه محولات الكهرباء تُنهب ومحطات المياه تتوقف، استنفر موارد الولاية الذاتية، وفتح معركة صيانة وتشغيل لا تعرف الكلل. أعاد النور إلى أحياء كانت قد استسلمت للظلام، وضخ الماء في شرايين قرى كاد العطش أن يقتلها. لم ينتظر دعمًا اتحاديًا شحيحًا، بل صنع من إدارة البترول وموارد الولاية قلبًا ماليًا ينبض ليضخ الحياة في جسد منهك.

ثم التفت إلى الجرح الأكبر: النازحون. لم يتعامل معهم كعبء، بل كأهل. فتح لهم المدارس مراكز إيواء، وسخّر موظفيه لخدمتهم، ودفع من مال الولاية ليسترهم حين تخلى عنهم الجميع. وفي ذات الوقت، أطلق معركة الإعمار. ففي مدني، تدور الآليات اليوم لترمم ما هدمته الحرب وما أهمله الزمن. طرق تُسفلت، وأسواق تُنظم، ومشافٍ تُعاد للحياة. هو يدرك أن تطبيع الحياة ليس شعارًا، بل هو جرافة تعمل، ومحول كهرباء يُركب، وبئر ماء يُحفر.

لكن المفارقة الموجعة أن كل إنجاز يحققه، يُقابل بحملة تشكيك جديدة. كل لبنة يضعها في جدار الولاية، تُقابل بحجر يُرمى في طريقه. يُستهدف لأنه يعمل، ويُحارب لأنه أنجز. تُفتعل الأزمات حوله، وتُضخم الأخطاء الصغيرة، ويُغض الطرف عن بحر العطاء. فالسؤال الذي يفرض نفسه بلا مواربة: لمصلحة من يُستهدف والي الجزيرة؟

يُستهدف لمصلحة من يريد للجزيرة أن تبقى رهينة للفوضى، لأن الفوضى بيئة خصبة للفساد والمتاجرة بمعاناة الناس. يُستهدف لمصلحة من يزعجه أن يرى نموذجًا ناجحًا للإدارة في زمن الانهيار، لأن النجاح يفضح عجز الآخرين. يُستهدف لمصلحة خطاب سياسي بائس يقتات على إفشال الجميع حتى يبدو هو الأفضل. إنهم لا يحاربون شخص الوالي، بل يحاربون فكرة أن النهضة ممكنة رغم الحرب، وأن الدولة يمكن أن تنهض من ركامها بإرادة أبنائها.

إن والي الجزيرة اليوم لا يدير ولاية فحسب، بل يخوض حربًا على جبهتين: جبهة الإعمار ضد آثار الحرب، وجبهة التربص ضد معاول الهدم. وهو في كلتا الجبهتين يدفع ثمنًا باهظًا من صحته، ومن سمعته، ومن وقته. يدفع ثمن وقوفه في الصف الأول حين اختار الآخرون مقاعد المتفرجين.

التاريخ لا يذكر الولاة الذين برروا الفشل، بل يخلد من صنعوا من الفشل نفسه سلمًا للصعود. والجزيرة اليوم تكتب فصلًا جديدًا، عنوانه أن الإرادة حين تصدق، تهزم المستحيل. والواجب الوطني والأخلاقي يقتضي أن نسند هذا الرجل لا أن نطعنه. فدعمه ليس تفضلًا عليه، بل هو استثمار في بقاء الولاية، وفي أمل أن يصبح نموذج الجزيرة عدوى إيجابية تنتقل لبقية الجراح.

أما من يتربصون به، فنقول لهم: إن كنتم تملكون خيرًا منه، فالميدان أمامكم. وإن لم تكونوا، فكفوا أذاكم، ودعوا الرجل يعمل. فالجزيرة لم تعد تحتمل مزيدًا من المعارك الجانبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى