الاقتصادية

معاوية السقا يكتب : قرار وقف استيراد السلع.. “جراحة اقتصادية” لإنقاذ الجنيه وإعادة الاعتبار للصناعة الوطنية

في خضم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالسودان جراء تداعيات الحرب، يبرز قرار إيقاف استيراد السلع غير الضرورية كقرار سيادي شجاع يعيد الاعتبار لمفهوم “الاقتصاد المنتج” بعد عقود من هيمنة عقلية الاستهلاك والاستيراد العشوائي. إن جوهر هذا القرار لا يكمن في المنع بحد ذاته، بل في إعادة توظيف العملة الصعبة الشحيحة نحو أولويات وجودية تفرضها المرحلة: توفير الدواء، واستيراد مدخلات الإنتاج الزراعي، وتأمين احتياجات الصناعة التحويلية. فالاستمرار في استنزاف احتياطياتنا لاستيراد سلع يمكن إنتاجها محلياً، كالملح والأسمنت والبلاستيك، لم يعد ترفاً يحتمل في ظل حرب ضروس تضع الدولة أمام خيار البقاء أو الانهيار.

تكشف البيانات أن فاتورة استيراد سلع كمالية أو ذات بديل محلي تصل إلى مئات الملايين من الدولارات سنوياً. أن نستورد الملح بقيمة 300 مليون دولار ونحن نمتلك أجود أنواع الخام في البحر الأحمر، لهو المفارقة التي تلخص عبثية السياسات الاقتصادية السابقة. هذا النزيف هو المحرك الرئيسي لارتفاع سعر الصرف، لأنه يخلق طلباً مصطنعاً ومستمراً على الدولار في السوق الموازي. والأثر الأعمق للقرار يتجاوز ميزان المدفوعات إلى توطين الصناعة وتحفيزها، فكل مصنع يُغلق بسبب إغراق السوق بالمستورد الرخيص، يعني تسريح مئات العمال والفنيين. وبالمقابل، فإن حماية المنتج المحلي تخلق أسواق عمل جديدة لآلاف الشباب، وتُنشئ سلاسل قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني بدلاً من تصدير فرص العمل إلى الخارج.

مع الأسف، لا يمر مثل هذا القرار التاريخي دون مقاومة. فهناك مراكز قوى مالية، بعضها فر من جحيم الحرب وأس استثمارات صناعية وعقارية ضخمة في دول الجوار تُقدر بـ40 مليار دولار، ما زالت تستفيد من امتيازات الاستيراد القديمة. هذه المجموعات ليس من مصلحتها نجاح القرار، لأنها المستفيد الأول من اقتصاد “الوكالات والتوكيلات” الذي يمتص دم المواطن عبر المضاربة في العملة ورفع الأسعار. إن أي محاولة لإلغاء أو إفراغ هذا القرار من مضمونه تعني ببساطة إنتاج أزمة جديدة للمواطن الذي كان يمكن أن يجد فرصة عمل في مصنع محلي، وتعني هزيمة أخرى للصناعة الوطنية التي تحاول النهوض من بين الركام.

في هذا السياق، تبرز شجاعة وزيرة التجارة والتموين محاسن علي يعقوب التي أصدرت القرار، كأنموذج للمسؤول الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات. فالقرار ليس إدارياً فحسب، بل هو انحياز واضح للصناعة الوطنية وإيمان بقدرتها على المنافسة إذا توفرت لها الحماية العادلة والتسهيلات اللازمة. إن المرحلة تتطلب الاصطفاف خلف هذه السياسات التصحيحية، وتحصينها من محاولات التكسير، فالمعركة اليوم ليست مع سلعة مستوردة، بل هي معركة استعادة القرار الاقتصادي الوطني، وتحويل محنة الحرب إلى فرصة تاريخية لبناء اقتصاد منتج ومستقل.
وقف الاستيراد، الاقتصاد السوداني، الصناعة المحلية، سعر الصرف، محاسن علي يعقوب، توطين الصناعة، العملة الصعبة، الحرب في السودان، القرارات الاقتصادية، المحور نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى