الاقتصادية

شموخ عمر تكتب: من هربوا بالمال وشردوا العمال يريدون خنق الصناعة

ليس خافياً على أحد أن أزمة الاقتصاد السوداني لم تصنعها الحرب وحدها. جزء كبير من المأساة كتبه رجال أعمال قرروا في لحظة أن يديروا ظهورهم للوطن، فهربوا بأموالهم إلى دول الجوار، وأسسوا هناك إمبراطوريات اقتصادية ضخمة، بينما أغلقوا مصانعهم هنا وشردوا آلاف العمال الذين بنوا تلك المصانع بعرقهم.

هؤلاء هم أنفسهم اليوم من يقفون في الصف الأول لمقاومة قرار إيقاف استيراد السلع غير الضرورية. ليس لأن القرار يضر بالمواطن، بل لأنه يقطع عليهم مورداً سهلاً قام على الامتيازات والإعفاءات والتسهيلات التي مُنحت لاستيراد الكماليات المستفزة، بينما ظل المصنع الوطني يختنق حتى الموت.

المنطق معكوس عند هذه اللوبيات. فالذي خنق الدولة بالمضاربة في العملات، وخنق المواطن بالأسعار الفاحشة، يخرج اليوم ليتحدث عن “مصلحة المستهلك” و”حق السوق الحر”. أي حرية هذه التي تعني حرية استنزاف العملة الصعبة على ما لا يُغني ولا يُسمن، بينما تغلق أبواب الإنتاج وتتشرد الأسر؟

قرار وزارة الصناعة والتجارة بإيقاف الاستيراد ليس إجراءً انتقامياً، بل تصحيحاً متأخراً لمسار اختُطف لسنوات لصالح سماسرة الاستيراد. إنه محاولة لإعادة تعريف دور الدولة: أن تكون حارسة للإنتاج لا خادمة للوكالات، وأن تقف مع العامل والمنتج لا مع المضارب والمحتكر.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس التراجع تحت ضغط الضجيج الإعلامي واللوبيات المترابطة المصالح. المطلوب هو صمود وزارة الصناعة وعدم الانحناء للعاصفة. فالتراجع يعني العودة إلى مربع الفوضى، حيث يعود هؤلاء ليعيدوا تصدير العملة، ويعيدوا إغلاق ما تبقى من مصانع، ويعيدوا المواطن إلى دائرة العجز والغلاء.

إن معركة الصناعة الوطنية هي معركة سيادة. من يريد أن يبني اقتصاداً وطنياً لا يمكنه أن يتساهل مع من يريدون إبقاء السودان سوقاً مفتوحة لتصريف بضائعهم وإعادة تدوير أمواله خارج حدوده. والمواطن الذي تحمل تبعات الحرب والغلاء يستحق أن يرى الدولة تنتصر له، لا أن تنكسر أمام من خذلوه بالأمس ويحاولون ابتزازه اليوم.

وزارة الصناعة في الاتجاه الصحيح. والصمود هنا ليس خياراً إدارياً، بل واجب وطني. فإما أن نكسر شوكة لوبيات الاستيراد، أو نتركها تكسر ما تبقى من اقتصادنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى