
يُعد مصنع سكر الجنيد من أهم المشاريع الصناعية والزراعية في السودان، إذ ارتبط لعقود طويلة بالاقتصاد المحلي في ولاية الجزيرة، وأسهم في توفير فرص العمل لآلاف العمال والمزارعين، قبل أن يدخل في سلسلة من الأزمات الإدارية والمالية والفنية التي انتهت بتوقف الإنتاج بصورة كاملة عقب دخول قوات الدعم السريع إلى ولاية الجزيرة، ثم تعرض المشروع لدمار واسع خلال الحرب.
أُنشئ مصنع سكر الجنيد في مطلع ستينيات القرن الماضي، ويُعتبر أول مصنع لإنتاج السكر في السودان، لذلك عُرف باسم “شيخ مصانع السكر”. بدأ العمل بالمشروع عام 1959، واكتمل تشييده عام 1962، على مساحة زراعية تجاوزت 42 ألف فدان، بطاقة إنتاجية قُدرت بنحو 60 ألف طن سنوياً، ما جعله مورداً اقتصادياً مهماً لآلاف الأسر في شرق الجزيرة.
*دور مزارعي قرى الجنيد في نجاح المشروع*
لعب مزارعو قرى الجنيد دوراً أساسياً في استقرار المشروع واستمراره لسنوات طويلة، من خلال زراعة قصب السكر، والمحافظة على الدورة الزراعية، وتوفير العمالة الموسمية، إلى جانب دعم الأنشطة المرتبطة بالنقل والخدمات والتجارة.
كما شكّل المشروع مصدر دخل رئيسياً لآلاف الأسر التي اعتمدت على عائدات زراعة القصب والعمل داخل المصنع. وخلال سنوات ازدهاره، ساهم المشروع في تنشيط الأسواق المحلية، ودعم البنية الاجتماعية والخدمية، وتعزيز صناعة السكر الوطنية وتقليل الاستيراد.
*لسان حال المزارعين*
قال أحد المزارعين بالمنطقة إن المشروع كان يمثل مصدر الحياة لآلاف الأسر قبل توقفه الكامل، مضيفاً أن توقف المصنع انعكس بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية بالقرى المحيطة.
وأشار إلى أن مزارعي القصب كانوا يعتمدون بشكل كامل على عائدات المشروع في توفير احتياجات أسرهم والتعليم والعلاج، مؤكداً أن توقف الإنتاج أدى إلى تراجع النشاط التجاري وارتفاع معدلات البطالة.
وقال عامل سابق بالمصنع إن الجنيد كان يعمل على مدار اليوم خلال مواسم الإنتاج، وإن حركة الشاحنات والعمال كانت تنشط الأسواق والقرى المجاورة، إلا أن الوضع تغيّر بالكامل بعد توقف المصنع والحرب.
*بداية التدهور وفشل الجهات الحكومية*
رغم الأهمية الاقتصادية الكبيرة للمشروع، بدأت مشكلاته تتفاقم بسبب عدة عوامل، أبرزها تهالك الآليات وخطوط الإنتاج، وضعف الصيانة، وسوء الإدارة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، إضافة إلى نقص التمويل الحكومي.
وأعلنت وزارتا الصناعة والمالية في أكثر من مناسبة عن خطط لإعادة تأهيل المصنع، غير أن تلك الوعود لم تُنفذ على أرض الواقع. ففي عام 2021 تحدثت الحكومة عن إعادة تأهيل المصنع وتحديث الطلمبات والآليات، لكن المشروع لم يشهد أي تطوير حقيقي، كما لم يتم توفير التمويل المطلوب لإنقاذه قبل اندلاع الحرب.
ويرى عاملون ومراقبون أن الجهات الحكومية اكتفت بالتصريحات الإعلامية دون اتخاذ خطوات عملية لمعالجة الأزمة.
*فشل الشركة السودانية للسكر في إعادة التأهيل*
تُعد الشركة السودانية للسكر الجهة المسؤولة عن إعادة تأهيل المصنع وتشغيله، إلا أنها واجهت انتقادات واسعة بسبب ضعف الإدارة وغياب الرؤية الاستثمارية، إلى جانب العجز عن توفير التمويل اللازم وصيانة المعدات.
ورغم التصريحات المتكررة بشأن إعادة التشغيل، ظل المصنع يعاني من التدهور المستمر حتى تعرض بعد الحرب إلى عمليات نهب وتخريب واسعة.
وشملت الأضرار:
1. نهب المعدات والآليات.
2. تخريب الورش الرئيسية.
3. إتلاف أجزاء واسعة من البنية التحتية.
4. سرقة الكابلات والمولدات.
5. حرق محطة الري الرئيسية.
يمثل مصنع سكر الجنيد نموذجاً واضحاً لانهيار المشاريع الصناعية الكبرى في السودان نتيجة تراكم الإهمال الإداري وضعف التخطيط الحكومي، قبل أن تضاعف الحرب حجم الخسائر والدمار.
وكان المزارعون والعاملون يمثلون العمود الفقري للمشروع خلال سنوات نجاحه، إلا أن غياب الدعم الحكومي، وفشل خطط التأهيل، وضعف إدارة الشركة السودانية للسكر، أسهمت جميعها في انهيار المشروع، لتأتي الحرب وتقضي على ما تبقى من بنيته الإنتاجية.
—
guneid-sugar-factory-destruction-failure




