الاقتصادية

د. محمد عوض متولي يكتب : كهرباء السودان: جراحة العبور للنهضة

​يقف الاقتصاد السوداني أمام لحظة فارقة تتطلب مكاشفة وطنية وشجاعة سياسية واقتصادية غير مسبوقة، حيث لم يعد قطاع الكهرباء مجرد مرفق خدمي يعاني من فجوات تقنية، بل تحول إلى قضية أمن قومي وجودية تحدد ملامح البقاء الاقتصادي للدولة في مرحلة ما بعد الحرب. إن المشهد العام يشير بوضوح إلى أن استمرار النهج القديم في إدارة ودعم الطاقة لم يعد ممكناً ولا عادلاً، فبينما تحاول البلاد لملمة جراح الدمار الهيكلي الذي طال البنية التحتية، يبرز التشويه السعري للكهرباء كعقبة كؤود تمنع التعافي وتغذي الحلزون التضخمي الذي ينهك كاهل المواطن والمنتج على حد سواء. إن التوصيف الدقيق للأزمة يبدأ من قراءة الأرقام الصادمة التي تكشف عن فجوة تمويلية هائلة، حيث تصل التكلفة الحقيقية لإنتاج الكيلوواط إلى 665 جنيهاً في حين لا يزال يُباع للمستهلك بـ 50 جنيهاً فقط، وهذا الفارق الذي يتجاوز الـ 600 جنيه لا يمثل دعماً حكومياً ناتجاً عن وفرة في الموارد أو فوائض في الميزانية، بل هو في حقيقته ضريبة خفية ومدمرة تُدفع عبر آليتين اقتصاديتين غاية في الخطورة؛ الأولى هي التضخم النقدي المفرط، حيث تضطر الدولة لتغطية عجز القطاع عبر الاستدانة من البنك المركزي والتمويل بالعجز، مما يؤدي لزيادة الكتلة النقدية دون غطاء إنتاجي موازٍ، فتتآكل القوة الشرائية للعملة الوطنية، ويجد المواطن نفسه يدفع ثمن رخص الفاتورة أضعافاً مضاعفة عند شراء رغيف الخبز أو السلع الأساسية، أما الآلية الثانية فهي اللاعدالة الاجتماعية المكانية التي تفرض على سكان الريف والمناطق المتأثرة بالنزاع، والذين لا تصلهم الخدمة أصلاً، أن يتحملوا عبء التضخم الناتج عن تمويل كهرباء مدعومة ينعم بها سكان المدن الكبرى، مما يكرس اختلالاً بنيوياً في توزيع الثروة القومية.
​وعند تتبع المسار التاريخي لأسعار الكهرباء في السودان خلال العقد الماضي، نجد أننا أمام حالة دراسية لما يسمى في الاقتصاد بالجمود السعري في بيئة تضخمية، فقبل عشرة أعوام، وتحديداً في عام 2016، كانت التعرفة لقطاع السكن في شريحتها الأولى لا تتجاوز قروشاً معدودة، وكانت التكلفة الكلية لإنتاج الكيلوواط حينها توازي ما يعادل اثني عشر سنتاً من الدولار تقريباً. وبتحليل البيانات يتبين أنه رغم التعديلات السعرية الطفيفة التي تمت في أعوام خلت، إلا أنها لم تكن تواكب معدلات انخفاض قيمة العملة الوطنية، حيث تكشف القراءة الفاحصة للبيانات بين عامي 2016 واليوم عن مفارقة حادة؛ فبينما ارتفعت تكاليف التشغيل ومدخلات الإنتاج بآلاف المرات نتيجة تدهور سعر الصرف، ظلت التعرفة تتحرك ببطء شديد تحت ضغوط سياسية واجتماعية، مما أدى إلى تحول الفجوة التمويلية من مبالغ يمكن احتواؤها في عام 2016 إلى وحش مالي كاسر يلتهم الميزانية الحالية، ففي عام 2020 على سبيل المثال، كان الدعم يغطي حوالي 60% من التكلفة، لكنه قفز تدريجياً ليصل اليوم إلى نسبة مرعبة تجعل المواطن لا يدفع سوى 7.5% فقط من قيمة ما يستهلكه، وهذا التحليل التاريخي يثبت أن سياسة تثبيت السعر لم تحمِ المواطن بل كانت المحرك الأساسي لتهالك القطاع وتوقف عمليات الإحلال والتجديد.
​يقودنا التحليل بالضرورة إلى رصد الأثر الكارثي للدمار الممنهج الذي أصاب هذا القطاع بسبب اعتداءات ميليشيا الدعم السريع، والتي استهدفت بوعي كامل تحطيم الأصول الرأسمالية للدولة من محطات توليد وخطوط نقل، وهذا الدمار لم يرفع تكاليف التشغيل فحسب، بل أدى إلى فقدان ما يُعرف باقتصاديات الحجم نتيجة تفتيت الشبكة القومية وتوقف مشروعات الربط القاري والإقليمي التي كانت ستمثل مورداً استراتيجياً للعملة الصعبة. ومن هنا، يبرز رفع الدعم التدريجي كضرورة تصحيحية ومنهجية وليس كإجراء جبائي، فهو المدخل الوحيد لتحقيق الاستدامة المالية التي تمكن القطاع من تغطية تكاليف التشغيل والصيانة ذاتياً، وجذب الاستثمارات الخاصة التي لن تجازف بالدخول في سوق يُباع فيه المنتج بكسر بسيط من تكلفته الحقيقية، والهدف الأسمى لهذه الجراحة هو توجيه الوفورات لمد الخطوط للمناطق المحرومة وكهرِبة القطاع الزراعي الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد. وتبرز الكهرباء هنا كمُدخل إنتاج استراتيجي يمتلك القدرة على تحويل الميزة النسبية للسودان إلى ميزة تنافسية عالمية، خاصة وأن عدم استقرار الإمداد في المناطق الإنتاجية يرفع تكلفة الري بنسبة تفوق الـ 40% مقارنة بالكهرباء التي ستخفض كلفة المحاصيل وتدعم الصناعات التحويلية، مما يقلل الفاقد ما بعد الحصاد ويضمن استقرار الأسعار للمستهلك النهائي طوال العام.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، تبرز الحاجة إلى توصيات متخصصة تحدد جهات
التنفيذ وآلياته، تبدأ بضرورة قيام وزارة المالية والبنك المركزي بالتحول الفوري من دعم السلعة إلى الدعم النقدي المباشر للأسر المستحقة، وتوجيه وفورات الرفع التدريجي لخفض عجز الموازنة العامة، ويلي ذلك إنشاء صندوق سيادي لإعادة إعمار قطاع الطاقة تدار موارده بشفافية لتمويل إصلاح المحطات المدمرة، مع إعفاء كامل لمدخلات الطاقة المتجددة من الضرائب والجمارك لمدة 15 عاماً. وعلى مستوى وزارة الطاقة، يجب اعتماد نظام التعرفة الزمنية والشرائح التصاعدية التي تحمي محدودي الدخل، بالتوازي مع إطلاق مبادرة وطنية لكهرِبة المشاريع الزراعية القومية الكبرى كالرهد والسوكي والجزيرة. كما تتضمن التوصيات إلزام المشاريع الاستثمارية الكبرى بتوليد جزء من حاجتها عبر المصادر المتجددة، وتفعيل قانون المنظم المستقل للكهرباء، وربط منح التراخيص الصناعية بمعايير كفاءة الطاقة، وتوطين صناعة المحولات والعدادات الذكية، بالإضافة إلى إنشاء وحدات طاقة شمسية متنقلة للمناطق الرعوية، وتفعيل شركات توزيع ولائية مستقلة، واعتماد نظام التحصيل المسبق لكافة القطاعات الحكومية، وإطلاق منصة الشفافية الرقمية لتمليك الجمهور بيانات التكلفة والإنفاق والدمار لضمان حوكمة الموارد ومنع التسرب المالي.
​كما تشمل الخارطة التنفيذية ضرورة قيام حكومات الولايات بإنشاء مناطق تخزين مبردة تعمل بالطاقة الشمسية لدعم المنتجين الصغار، وتقديم قروض ميسرة عبر البنوك المتخصصة لاقتناء تقنيات الري الحديثة، وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي كخيار استراتيجي لتأمين الشبكة. ولضمان نجاح هذه السياسات، لا بد من إطلاق حملات وعي وطنية شاملة تشرح العلاقة الطردية بين إصلاح سعر الطاقة وانخفاض أسعار السلع الأخرى، مع إشراك مراكز الأبحاث الوطنية كمركز الخبراء في التقييم الدوري لهذه السياسات لضمان انحيازها للفقراء والمنتجين، ووضع بروتوكولات حماية أمنية مشددة للمنشآت الحيوية لمنع أي اعتداءات مستقبلية.
​إن إصلاح قطاع الكهرباء في السودان لم يعد ترفاً فكرياً أو خياراً فنياً يمكن إرجاؤه، بل هو العقد الاجتماعي الجديد الذي يجب أن يتأسس على الصراحة والشفافية والعدالة. إن الجرأة في اتخاذ قرار رفع الدعم، شريطة اقترانه بكهرِبة الإنتاج وتوجيه الوفورات نحو المناطق المحرومة، هي الكفيلة بنقل السودان من ظلام الأزمات المتلاحقة إلى نور التنمية المستدامة. إننا لا نبحث عن حلول مؤقتة، بل نرسم مساراً لمستقبل يمتلك فيه السودان طاقة مستقرة تغذي المصانع، وتخضر بها المزارع، وتضاء بها بيوت السودانيين في كل شبر من أرض الوطن. إن النجاح في هذا الاختبار التاريخي هو بوابة العبور الحقيقية نحو نهضة اقتصادية تجعل من السودان قوة إنتاجية كبرى في محيطه الإقليمي والدولي، وتنهي إلى الأبد حقبة فاتورة الظلام التي دفع ثمنها الشعب طويلاً من استقراره ورفاهيته، فالرهان اليوم هو على الإرادة الوطنية التي تحول الأزمة إلى فرصة، والدمار إلى إعمار، لتظل الكهرباء هي الشريان الذي يضخ الحياة في جسد الاقتصاد السوداني القادر على النهوض والازدهار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى