
بين أطلال الطلمبات الصامتة وأرض تنتظر الماء منذ عقود وقف وزير المالية الاتحادي الدكتور جبريل إبراهيم أحمد ليعلن بداية جديدة. تعهده بإجراء دراسة فنية لمشروع الحرقة ونور الدين بالامتداد الشرقي لمشروع الجزيرة ليس وعداً عابراً بل إعلان بأن الدولة قررت أن تفتح ملفاً أغلقته السنوات. برفقة وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الدكتور معتصم محمد صالح جاء الوزير إلى الميدان ليرى بعينه ويضع يده على الجرح. فالزراعة كما قال هي العمود الفقري للاقتصاد القومي ولا نهوض إلا إذا عادت الحقول إلى الإنتاج.
الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير والي ولاية الجزيرة لم ينتظر الدراسات كي تكتمل. أعلن أن حكومته وفرت ثلاث محولات كهربائية كبيرة لإعادة النبض إلى طلمبات المشروع. خطوة تعني أن الولاية قررت أن تكون شريكاً في الحل لا متفرجاً على الأزمة. المحولات هي مفتاح الضخ والضخ هو مفتاح الحياة لخمسة وأربعين ألف فدان ظلت عطشى أكثر من ستة وثلاثين عاماً. حديث الوالي كسر قاعدة الانتظار وأثبت أن الإرادة المحلية قادرة على إشعال الشرارة الأولى. الوالي أكد أن توقف المشروع طوال هذه السنوات كلف الولاية والبلاد خسائر إنتاجية كبيرة وأن مساحته البالغة خمسة وأربعين ألف فدان يمكن أن تضيف رقماً مؤثراً إلى الرقعة الزراعية بالولاية ومشروع الجزيرة.
مشروع الحرقة ونور الدين ليس رقماً في دفتر الإهمال. هو مساحة من الأرض تساوي مستقبل آلاف الأسر. توقفه الطويل يعني أن البلاد خسرت إنتاجاً يكفي لإطعام مدن وخسرت فرص عمل كانت ستحمي الشباب من الهجرة والبطالة. اليوم تعود الأنظار إلى هذه الأرض لأن الجوع لا ينتظر ولأن الأمن الغذائي صار قضية سيادة.
اللواء الركن معاش يوسف التاي ممثل المنطقة وضع الإصبع على الجرح حين طالب بمعالجة مشكلة كهرباء الطلمبات. فالمشكلة لم تكن يوماً في الماء ولا في التربة بل في الطاقة التي تحرك المشروع. ولهذا كان استقبال المواطنين للوفد الاتحادي ووالي الولاية وأعضاء لجنة أمن الولاية استقبالاً محملاً بالرجاء. الناس هناك لا يريدون خطباً. يريدون طلمبات تدور وأرضاً تُزرع ومحصولاً يُحصد.
ما يجري اليوم هو اختبار لمعادلة التعافي. المركز يتعهد بالدراسة الفنية والولاية تدفع بالمحولات والمجتمع يفتح ذراعيه للعمل. إذا التقت هذه الحلقات فإن مشروع الحرقة ونور الدين سيتحول من ذكرى حزينة إلى بداية جديدة. بداية تقول إن السودان قادر على استعادة حقوله وإن الجزيرة قادرة على أن تعود سلة غذاء كما كانت.
الطريق يحتاج إلى تمويل وتنفيذ وصيانة وإدارة. لكن الأهم أن القرار اتخذ وأن المحولات وصلت وأن الأرض تنتظر. وما بين تعهد الوزير وفعل الوالي يولد الأمل. والأمل في الزراعة لا يموت ما دام هناك ماء وتراب ويد تريد أن تزرع.




