التقارير

التعافي الأخضر.. الخرطوم تسترد كبرياءها في ديربي القمة بقلب العاصمة

الخرطوم: رمضان محجوب

تجاوز ديربي القمة السودانية بين الهلال والمريخ على أرضية استاد الخرطوم العتيق حدود التنافس الرياضي الضيق، ليرسم لوحة سياسية وأمنية بالغة الدلالة على تعافي العاصمة الوطنية. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من حرب المليشيا المتمردة التي حاولت طمس هوية المدينة وتدمير بنيتها التحتية، جاء هذا النهائي الكروي الاستثنائي بمثابة إعلان رسمي وشعبي لعودة الحياة إلى طبيعتها، وتدشين حقي لعهد الاستقرار والأمان في قلب الخرطوم الجريحة.

امتدت الدلالات العميقة للمواجهة لتشمل اختيار المكان. لم يكن اختيار “شيخ الاستادات” محض صدفة تكتيكية، بل خطوة سياسية وأمنية مدروسة حملت رسائل قوية للداخل والخارج. فالملعب التاريخي الذي شهد تأسيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “الكاف” عام 1957، عانى كغيره من المرافق الحيوية من دنس المليشيا المتمردة التي حاولت تحويل وسط العاصمة إلى ثكنة عسكرية. إن دحر التمرد وإعادة تأهيل هذا الصرح الرياضي وتجهيزه لاستقبال مباراة القمة بحضور قيادات الدولة التنفيذية والأمنية، يمثل انتصاراً رمزياً لسيادة الدولة واسترداداً لكرامة الهوية السودانية، وتأكيداً قاطعاً على أن العاصمة نفضت عنها غبار الحرب واستعادت أمنها ومكانتها.

شهد الاستاد تدفقاً بشرياً ضخماً ضاقت به المدرجات، حيث تدافعت الجماهير من كافة فجاج العاصمة القومية وأقاليمها منذ وقت مبكر متجاوزة مخاوف الماضي ومستمتعة بأجواء الأمن الطاغية. هذا الحضور الغفير الذي تقاسم جنبات الملعب بالتساوي بين الطيفين الأزرق والأحمر لم يأتِ لمجرد مساندة الشعار أو الاستمتاع بالكرة، بل جاء ليعلن للعالم في تظاهرة شعبية عفوية أن الشعب السوداني متمسك بالحياة ويعشق السلام والاستقرار. الانسيابية العالية وراحة العائلات والشباب عبر بوابات الاستاد أكدت أن الشارع السوداني استعاد طمأنينته المفقودة ووثق في قدرة أجهزته النظامية على حماية مكتسباته وبسط هيبة القانون.

عكست المنصة الرسمية لملعب المباراة لوحة سيادية رفيعة المستوى تترجم حجم الاهتمام الحكومي لمرحلة ما بعد دحر المليشيا. تقدم الحضور رئيس الوزراء السيد كامل إدريس، يرافقه وزير الشباب والرياضة، ووزير الإعلام خالد الإعيسر، إلى جانب والي الخرطوم ولفيف من وزراء الولاية. هذا التمثيل الحكومي رفيع المستوى لم يكن تشريفياً بروتوكولياً، بل دليلاً قاطعاً على أن الدولة السودانية بكامل أجهزتها عادت لتمارس مهامها التنموية والخدمية والترفيهية من قلب الخرطوم. وجود الجهاز التنفيذي وسط الجماهير أرسل رسالة إيجابية تؤكد زوال المهددات الأمنية وبداية مرحلة البناء والإعمار وتلاحم القيادة مع الشعب.

لم تكن هذه الاحتفالية لترى النور لولا التخطيط الأمني المحكم والجهود الاستخباراتية الشاقة التي بذلتها الأجهزة النظامية لتأمين العاصمة وتطهيرها. لذلك جاءت مراسم التكريم عقب صافرة النهاية لتنصف المنظومة الدفاعية بقيادة القوات المسلحة، وتخص بالتكريم مدير جهاز المخابرات الوطني الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل. هذا التكريم في محفل جماهيري مشهود يعبر عن العرفان الشعبي والرسمي للعين الساهرة التي دكت حصون المتمردين وأجهضت مخطاتهم الخبيثة لترويع الآمنين. إن بسط الاستقرار وتأمين تجمع بشري بهذا الحجم دون تسجيل أي خروقات يثبت بالكفاءة القتالية والمهنية العالية أن المنظومة الأمنية السودانية تقف على أرض صلبة ومستعدة لحماية مرحلة الإعمار التنموي.

على الصعيد الفني وداخل المستطيل الأخضر، شهد الشوط الأول صراعاً تكتيكياً حابساً للأنفاس. دخل المريخ متخندقاً بأسلوب دفاعي صارم يتحول إلى 6-3-1 عند فقدان الكرة سعياً لامتصاص حماس الهلال والاعتماد على المرتدات السريعة. وحاول الهلال اختراق هذا الجدار عبر مخالفة نفذها اللاعب قمردين في الدقيقة 21 لكنها استقرت بين يدي الحارس جرس كافي. ومع مرور الوقت تسيد المريخ مجريات اللعب هجومياً ودفاعياً بفضل الضغط المتواصل من الجناح الأيسر، وطالبت جماهيره بركلة جزاء إثر سقوط المهاجم أسد، وتألق حارس الهلال محمد المصطفى في إنقاذ مرماه من انفراد محقق للمهاجم مبارك عبدالله، لينتهي الشوط الأول بأفضلية مريخية واضحة.

انقلبت الموازين في الشوط الثاني بفضل القراءة الفنية الذكية والجريئة للجهاز الفني لنادي الهلال، الذي أجرى تبديلات قلبت الطاولة على غريمه التقليدي. كان دخول المحترف فلومو بمثابة كلمة السر ونقطة التحول الكاملة في مسار الملحمة. وفي الدقيقة 75 نجح فلومو في اقتناص هدف المباراة الوحيد، ليشعل المدرجات الهلالية التي ضجت بالفرح مما أدى إلى تصاعد الشماريخ والألعاب النارية إلى أرضية الملعب وتوقف اللقاء لدقائق. ومع اقتراب الصافرة تكررت أحداث الألعاب النارية من مشجعي المريخ الذين آثر بعضهم مغادرة الملعب قبل التتويج، ليعلن الحكم نهاية المباراة بفوز الهلال ومواصلة سيطرته على اللقب منذ عام 2020.

لم تتوقف أصداء هذا الفوز التاريخي والتتويج بلقب الدوري الممتاز عند أسوار استاد الخرطوم، بل امتدت لتشمل كافة الأحياء والمدن التاريخية بالعاصمة القومية. انتقلت حمى الفرح الصاخب فوراً إلى شوارع أم درمان العريقة التي شهدت مسيرات عفوية حاشدة ضاقت بها الطرقات والساحات العامة. خرجت جماهير الموج الأزرق من مختلف الفئات والأعمار تعبيراً عن فرحتها الطاغية باللقب الغالي، رادحة بالأهازيج الشعبية والشعارات الرياضية الوطنية، ومطلقة العنان لأبواق السيارات والتهاليل التي استمرت حتى الساعات الأولى من الصباح. وجسد هذا المشهد الاحتفالي البهيج الوجه الحقي للعاصمة السودانية، وأكد مجدداً أن الخرطوم استعادت روحها وحيويتها وأن نبض الحياة الاجتماعية والرياضية عاد أقوى مما كان.

ختاماً، يمكن القول إن نهائي الدوري الممتاز بين قطبي الكرة السودانية على ملعب استاد الخرطوم تجاوز كونه حدثاً رياضياً محلياً عادياً، ليصبح وثيقة إعلان سياسية وتنموية وأمنية تؤكد تعافي العاصمة والبلاد من آثار تمرد المليشيا الغاشمة. إن هذا التلاحم الرسمي والشعبي الكبير، والانتشار الأمني المحكم، والفرحة العفوية العارمة التي عمت الشوارع، تمثل كلها براهين ساطعة على إرادة الصمود والتحدي التي يتميز بها الشعب السوداني، وتدشن رسمياً بداية عهد جديد من الاستقرار والنماء والأمل المستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى