
في مشهد يختزل معركة ما بعد الحرب، وقف الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير والي ولاية الجزيرة صباح اليوم بمقر شركة دال الهندسية في ود مدني ليعلن عن وصول أسطول عربات نقل النفايات الضاغطة وتوزيعها على محليات الولاية. الحدث بذاته ليس مجرد تدشين آليات، بل هو إعلان نية من حكومة الولاية باستعادة السيطرة على واحدة من أكثر الملفات التي كشفت هشاشة الدولة بعد الحرب: ملف النفايات والصحة العامة.
الجزيرة التي خرجت من قبضة الحرب مثقلة بالدمار، لم تكن النفايات فيها ترفاً بيئياً، بل قنبلة موقوتة تهدد المياه الجوفية وتغذي الأوبئة وتنسف أي محاولة لإعادة الحياة إلى مدنها. لذلك تأتي خطوة تدشين العربات الضاغطة كإشارة على أن معركة الإعمار بدأت فعلياً من الشارع، من الزاوية التي يلمسها المواطن يومياً قبل أن تصل إلى المشاريع الكبرى.
الوالي وهو يعلن خطة متكاملة للإصحاح البيئي وإعادة التدوير، يحاول أن ينقل المعركة من مرحلة “جمع القمامة” إلى مرحلة “إدارة المورد”. فالحديث عن تأهيل المكبات والمدافن وإنشاء مشروعات تحويل النفايات إلى موارد اقتصادية، هو انتقال من منطق الإسعاف إلى منطق التنمية المستدامة. الفكرة ببساطة: النفايات التي كلفت الولاية صحة ومالاً يمكن أن تتحول إلى طاقة وسماد ومواد خام تغذي الصناعات الصغيرة. لكن الفارق بين الإعلان والتطبيق يحتاج إلى ثلاثة شروط: التمويل المستمر، والعامل البشري المدرب، وسلوك مجتمعي يتجاوز ثقافة الرمي العشوائي.
وهنا يبرز دور الدعوة التي وجهها الوالي للمواطنين بالالتزام بالسلوك الحضاري. فكل عربة ضاغطة مستوردة بمئات الآلاف من الدولارات ستتحول إلى خردة إذا لم يرافقها وعي مجتمعي. تجربة المدن السودانية قبل الحرب أثبتت أن فشل إدارة النفايات لم يكن دائماً نقص آليات، بل غياب عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن حول النظافة كمسؤولية مشتركة.
الجانب الاقتصادي في المبادرة لا يقل أهمية. إعلان وزير المالية عاطف محمد إبراهيم أبو شوك عن توريد محارق متخصصة للنفايات الطبية يعالج ثغرة خطيرة كشفتها الحرب: المستشفيات التي تحولت إلى بؤر خطر بسبب النفايات الخطرة. المحارق المتخصصة ليست رفاهية، بل شرط لاستعادة ثقة المواطن في المؤسسات الصحية. كما أن تأكيد الوزير على الوفاء باستحقاقات العاملين في قطاع النظافة يعالج جذر المشكلة: لا يمكن لعامل ينتظر راتبه شهوراً أن يحارب الأوساخ بحماس.
موقف شركة دال الهندسية، ممثلة في المهندس حمد محمد سعيد، بإعلان جاهزيتها للمساهمة في المشروعات التنموية، يفتح باب شراكة القطاع الخاص التي غابت طويلاً عن ملف الخدمات. الدولة وحدها لن تنهض بمدافن النفايات ولا بمصانع التدوير. لكن الشراكة تحتاج إلى شفافية في العقود وحوكمة تمنع تحول ملف النفايات إلى احتكار جديد لشركات بعينها.
التحدي الأكبر أمام حكومة الجزيرة الآن هو الاستمرارية. فالولايات السودانية تعودت على موجات تدشين حماسية تتبعها شهور من التوقف بسبب الوقود وقطع الغيار والرواتب. نجاح خطة الوالي سيُقاس بعد عام: هل ستظل العربات الضاغطة تعمل؟ هل تحولت المكبات العشوائية إلى مواقع مدارة علمياً؟ هل ظهر أول مصنع تدوير صغير ينتج سماداً أو بلاستيكاً معاداً؟
ود مدني اليوم تدشن عربات، لكنها في الحقيقة تدشن اختباراً. اختبار لقدرة حكومة الولاية على تحويل وعود ما بعد الحرب إلى خدمات محسوسة. واختبار لوعي مواطن عانى من الفوضى فبات مطالباً بأن يكون شريكاً لا متفرجاً. المعركة مع النفايات قد تبدو صغيرة أمام ملفات السلام والاقتصاد، لكنها في جوهرها معركة استعادة هيبة الدولة من تحت أكوام القمامة. وإذا نجحت الجزيرة، فقد تقدم نموذجاً لكل الولايات: أن إعادة الإعمار تبدأ حين تستطيع أن تمر في شارع نظيف دون أن تختنق.



