
يمتلك السودان ثروة مائية هائلة ربما لم تحظ بما تستحقه من الاهتمام الاقتصادي والاستثماري. فالموارد المائية السودانية تمتد من الأنهار والروافد والمسطحات المائية والسدود، إلى ساحل البحر الأحمر، وهي إمكانيات يمكن أن تؤسس لقطاع سمكي متطور، قادر على المساهمة في الأمن الغذائي وتحريك الاقتصاد الوطني وفتح أسواق جديدة للصادرات.
وفي بلد يواجه ظروفا اقتصادية بالغة الصعوبة بسبب الحرب، ويتحمل المواطن فيه أعباء معيشية متزايدة، أصبحت الحاجة إلى البحث عن مصادر غذاء بديلة وأقل تكلفة أمرا لا يحتمل التأجيل.
ومن هنا يبرز الاستزراع السمكي باعتباره أحد الخيارات التي تستحق أن توضع في مقدمة الأجندة الاقتصادية والإنتاجية.
فالأسماك ليست مجرد مصدر غذائي؛ إنما يمكن أن تكون قطاعا اقتصاديا متكاملًا يبدأ من إنتاج الزريعة والأعلاف، مرورا بالتربية والصيد، وصولا إلى التبريد والتخزين والتصنيع والنقل والتصدير.
ولعل السودان يمتلك ميزة مهمة تتمثل في إمكانية إقامة مشروعات الاستزراع السمكي في عدد من المناطق التي تتوفر فيها الموارد المائية المناسبة، باستخدام تقنيات مختلفة، من بينها الأقفاص العائمة والأحواض والمزارع السمكية الحديثة.
والأهم من ذلك أن السودان يمكنه، بدلا من الاعتماد الكامل على الاستيراد، أن يتجه إلى تصنيع جانب كبير من مستلزمات هذا القطاع محليا، مثل الأقفاص العائمة، ووحدات التبريد الثابتة والمتحركة، وبعض المعدات والمستلزمات المرتبطة بالإنتاج والتخزين.
وهنا تبرز أمام وزارة الثروة الحيوانية والسمكية الاتحادية بقيادة البروفيسور أحمد التجاني المنصوري فرصة مهمة لإعادة النظر في حجم وموقع الثروة السمكية ضمن خارطة الاقتصاد السوداني.
مدن إنتاجية مائية.. فكرة تستحق الدراسة
لماذا لا تبدأ الوزارة في إعداد دراسة متكاملة لإنشاء مدن إنتاجية مائية في عدد من المواقع المناسبة بالسودان؟
مدينة إنتاجية مائية لا تعني مجرد أحواض لتربية الأسماك، وإنما منظومة اقتصادية متكاملة تضم مزارع وأقفاصا سمكية، ومراكز لإنتاج الزريعة، ومصانع للأعلاف، ومرافق للتبريد والتخزين، ووحدات للتصنيع والتعبئة، إلى جانب مراكز للتسويق والتصدير.
مثل هذه المشروعات يمكن أن تكون أقل تكلفة من كثير من المشروعات الإنتاجية الكبرى، وفي الوقت ذاته قادرة على خلق سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية وفرص العمل.
كما يمكن أن تتحول المجتمعات المحيطة بالموارد المائية إلى مراكز إنتاجية تستفيد من مواردها بدل أن تظل هذه الموارد خارج دائرة الاستثمار الحقيقي.
السمك كبديل اقتصادي للبروتين
مع الارتفاع الكبير في أسعار اللحوم الحمراء، أصبح توفير مصادر أخرى للبروتين الحيواني ضرورة اقتصادية وغذائية.
وهنا يمكن للأسماك أن تلعب دورا مهما في سد جزء من الفجوة الغذائية، خصوصا إذا انتقل السودان من الاعتماد على الصيد التقليدي إلى الإنتاج السمكي المنظم والاستزراع التجاري.
وفي الوقت ذاته، فإن زيادة الإنتاج لن تخدم السوق المحلي فقط، بل يمكن أن تفتح الباب أمام تصدير الأسماك والمنتجات السمكية إلى الأسواق الإقليمية والدولية، بما يوفر موردا إضافيا للنقد الأجنبي.
لماذا لا ننظر إلى الماء باعتباره ثروة؟
ربما اعتدنا في السودان أن نتحدث عن الثروة الحيوانية باعتبارها الماشية والأغنام والإبل والدواجن، بينما توجد ثروة أخرى في المياه لم تحصل على الاهتمام نفسه.
إن الموارد المائية ليست مجرد وسيلة للري والشرب ، إنما يمكن أن تكون قاعدة لإنتاج الغذاء، وخلق الوظائف، وتنشيط الصناعات، وزيادة الصادرات.
ومع الظروف التي فرضتها الحرب على الاقتصاد السوداني، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مشروعات إنتاجية واقعية، لا تتطلب بالضرورة رؤوس أموال ضخمة، لكنها قادرة على تحقيق عائد سريع ومتدرج.
رسالة إلى الوزير
البروفيسور أحمد التجاني المنصوري، وزير الثروة الحيوانية والسمكية الاتحادية، أمامكم فرصة لإطلاق نقاش واسع حول مستقبل القطاع السمكي في السودان.
لماذا لا تكون هناك خارطة استثمارية للموارد المائية السودانية؟
ولماذا لا يتم تحديد المواقع المناسبة للاستزراع السمكي، وإعداد دراسات جدوى لمشروعات المدن الإنتاجية المائية، وتشجيع القطاع الخاص والشباب والمستثمرين على الدخول في هذا المجال؟
السودان اليوم في حاجة إلى أن يبحث عن كل مورد يمكن أن يساعده في تجاوز أزمته الاقتصادية والغذائية.
لدينا الأرض، ولدينا المياه، ولدينا الموارد البشرية، ولدينا الأسواق، ولدينا حاجة متزايدة للغذاء.
وما ينقصنا هو الرؤية التي تحول هذه الإمكانيات إلى مشروعات حقيقية.
إن الاستثمار في الثروة السمكية ليس منافسا للثروة الحيوانية التقليدية، بل هو امتداد طبيعي لها وتنويع لمصادر البروتين الحيواني والدخل القومي.
وقد يكون ما نعتبره اليوم موردا مهملا، هو غدا أحد أهم أبواب السودان نحو الأمن الغذائي والتشغيل والصادرات.
السودان لا يملك الماشية فقط.. السودان يملك الماء، وفي الماء ثروة لم تُستغل بعد.
فهل تكون المرحلة المقبلة بداية حقيقية لاكتشاف هذه الثروة؟
حفظ الله السودان أرضا وشعبا.
على أحمد أبوسالمة
خبير في الإعلام الإقتصادي




