
لا خلاف على أن الحوار بين السودانيين يظل أحد الخيارات المهمة للخروج من الأزمة، متى ما كان حواراً سودانياً خالصاً، يضع مصلحة الوطن فوق مصالح الأشخاص والتنظيمات والجهات السياسية. لكن الترحيب بمبدأ الحوار لا يعني التسليم بأي مبادرة أو مسار دون مساءلة وتدقيق.
ومن خلال ما طُرح حول المبادرة، تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة التي ينبغي الإجابة عنها بوضوح أمام الرأي العام:
أولاً: من يملك المبادرة ومن يحدد أجندتها؟
القول إن أصحاب المبادرة لا يملكون أجندة مسبقة أمر إيجابي، لكنه يحتاج إلى ترجمة عملية. فمن يحدد القضايا المطروحة؟ ومن يختار المشاركين؟ ومن يقرر ترتيب الأولويات؟ ومن يضمن ألا تتحول المبادرة تدريجياً إلى منصة تخدم رؤية سياسية محددة؟
ثانياً: من يمثل الشعب السوداني؟
إضافة أعضاء للجنة وتوسيع دائرة التواصل خطوة جيدة، لكنها لا تكفي وحدها. المطلوب معايير واضحة وشفافة لاختيار المشاركين، حتى لا يصبح الحوار محصوراً بين النخب السياسية أو الشخصيات القريبة من دوائر السلطة، بينما تُستبعد القوى المجتمعية والشباب والنساء والمهنيون والنازحون واللاجئون وأصحاب المصلحة الحقيقيون.
ثالثاً: الضمانات القانونية والحصانات تحتاج إلى وضوح كامل
إذا كان الحوار سيقوم على ضمانات وحصانات وإجراءات قانونية، فيجب أن يعرف السودانيون طبيعة هذه الضمانات وحدودها ومن تشملهم، حتى لا تتحول عبارة “الضمانات” إلى غطاء فضفاض يسمح بتجاوز العدالة أو الإفلات من المسؤولية عن الجرائم.
رابعاً: مخرجات الحوار يجب ألا تكون معدة مسبقاً
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يدخل المشاركون الحوار بينما تكون النتيجة السياسية المطلوبة قد حُسمت مسبقاً. الحوار الحقيقي يعني أن تكون مخرجاته نتاجاً للنقاش والتوافق، لا مجرد صياغة نهائية تبحث عن شرعية من خلال مؤتمر حواري.
خامساً: ضرورة منع التدخلات الخارجية والأجندات الخاصة
السودان في هذه المرحلة يحتاج إلى حوار يصنعه السودانيون، لا إلى حوار تستخدمه أطراف خارجية أو قوى سياسية لتحقيق أهدافها. ويمكن الاستفادة من الدعم الدولي والإقليمي في التيسير أو الضمان، لكن القرار النهائي يجب أن يظل سودانياً خالصاً.
سادساً: الحوار لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن مؤسسات الدولة أو عن العدالة
هناك قضايا لا يجوز تجاوزها باسم المصالحة، وفي مقدمتها حماية الدولة ومؤسساتها وحقوق المواطنين والمحاسبة وفق القانون. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يستخدم شعار العدالة لإغلاق باب التسوية السياسية أمام السودانيين.
والأهم من كل ذلك أن تكون هناك شفافية كاملة حول المبادرة: من يمولها؟ من يشارك فيها؟ كيف يتم اختيار الأعضاء؟ ما هي أجندتها؟ ما آلية اتخاذ القرار؟ ومن يراقب تنفيذ مخرجاتها؟
إن السودان لا يحتاج إلى حوار جديد تُعاد فيه إنتاج ذات النخب والصراعات، وإنما يحتاج إلى حوار وطني حقيقي يوسع دائرة المشاركة، ويمنع احتكار القرار، ويضع مصلحة الدولة والمواطن فوق كل اعتبار.
الحوار المطلوب ليس حواراً لإرضاء طرف، ولا صفقة بين قوى سياسية، ولا طريقاً لإعادة توزيع السلطة بين النخب، وإنما فرصة لإيجاد أرضية سودانية مشتركة تنهي الحرب وتؤسس لدولة مستقرة وعادلة.
ولهذا فإن دعم الحوار يجب أن يقترن باليقظة والمساءلة:
نؤيد الحوار، لكن نريد أن نعرف: من يديره؟ من يشارك فيه؟ من يضع أجندته؟ ومن يضمن ألا يُختطف لصالح أجندة خاصة؟
فمستقبل السودان أكبر من أن يُترك لاجتهاد أفراد، وأهم من أن يصبح ورقة في يد أي جهة، داخلية كانت أم خارجية.




