
في بلادٍ أنهكها العطش، يصبح قطرة الماء خبراً. وفي اقتصادٍ أنهكته العتمة، يصبح قرارٌ بإعادة النور إلى المصانع حدثاً يستحق التأمل.
أصدرت وزيرة الصناعة والتجارة *محاسن علي يعقوب* قراراً طال انتظاره، فاستقبله أصحاب المصانع كما يستقبل الظمآن الغيث. ليس لأنه عصاً سحرية، ولكن لأنه اعتراف. اعتراف بأن الداء قد تفاقم، وأن الدواء لا يحتمل التأجيل.
*بين شعار “المنتج الوطني” وواقع “المنتج المنهك”*
لشهورٍ ظللنا نردد: “ادعموا المنتج المحلي”. ورفعنا الحواجب في وجه المستورد، وأقفلنا الأبواب، وانتظرنا أن تنهض المصانع من تلقاء نفسها.
نسينا أن المصنع كائن حي. يحتاج كهرباء ليتنفس، ووقوداً ليدور، وتمويلاً لينمو، وحماية من غول التهريب الذي يسرق منه السوق وهو يصارع.
جاء القرار اليوم ليقول: كفى تجاهلاً. فحماية المنتج لا تكون بإغلاق الدكاكين في وجه الناس، بل بفتح النوافذ أمام المصانع.
*القرار.. تشريح للأزمة*
ما قيمة القرار؟ قيمته أنه شخص الداء بدقة.
هو إقرار بأن القطاع الصناعي لا يموت من قلة الطلب، بل من كثرة المعوقات.
هو محاولة لسد الفجوة بين السياسة التجارية التي تحظر، وبين الواقع الإنتاجي الذي يعجز.
ربما لا يحل القرار كل شيء. فالكهرباء ما زالت ضيفة، والبنوك ما زالت مترددة، والمهربون ما زالوا يبتسمون.
لكن الأهم أنه كسر حاجز الصمت. وضع يد الدولة على نبض المصنع، وقال للعامل: “نراك”.
*سؤال ما بعد القرار*
السؤال الآن ليس “ماذا قالت الوزيرة؟” بل “ماذا سيحدث غداً؟”
هل سيتحول الحبر على الورق إلى جازولين في المولد؟
هل سيتحول التوقيع إلى قرض ميسر، وإلى جمارك أقل، وإلى رقابة أشد على الحدود؟
فالقرارات وحدها لا تبني وطناً. الذي يبني الوطن هو التنفيذ. التنفيذ الذي يحول الأزمة إلى فرصة، والتعثر إلى نهضة.
*خاتمة*
نشيد بهذه الخطوة. لا لأنها النهاية، بل لأنها البداية.
بداية أن نكف عن معاقبة المواطن باسم حمايته، وأن نبدأ بتمكينه باسم بنائه.
فإذا تنفست المصانع، عادت الوظائف.
وإذا عادت الوظائف، عاد الأمل.
وإذا عاد الأمل، عاد الوطن.



