
المقدمة
في خضم النقاش الدائر حول إعادة إعمار السودان ما بعد الحرب، يبرز خطاب القطاع الخاص الصناعي كمدخل أساسي لفهم أزمة الدولة التنموية. وفي هذا الإطار يأتي الحوار الذي أجرته “المحور نيوز” مع رجل الأعمال وعراب الصناعة بولاية الجزيرة _البشير الصادق جموعة_ ليقدم تشخيصاً جراحياً لواقع الصناعة السودانية، لا من منطلق المطالبة الفئوية، بل من موقع من يرى في المصنع “صمام الأمان القومي”.
تتمثل أطروحة هذه الورقة في أن خطاب جموعة يختزل الأزمة السودانية في ثلاثة أعطال بنيوية: الطاقة، الجباية، والبيروقراطية، ويقترح معالجة تقوم على “قرار سياسي” لا على “دعم مالي”.
أولاً: الطاقة كمسألة أمن قومي لا خدمة
يرفع جموعة أزمة الكهرباء من مستوى الخدمات إلى مستوى الأمن القومي. فعندما تصل فاتورة الجازولين إلى “نصف كلفة الإنتاج” ينهار مبدأ الميزة التنافسية للمنتج المحلي أمام المستورد.
هنا يتقاطع الطرح مع نظرية “الدولة التنموية” التي ترى أن توفير مدخلات الإنتاج الأساسية بأسعار تفضيلية هو الشرط الأول للتصنيع. فالدولة التي لا تضمن كهرباء مستقرة لمصانعها، هي دولة تفوض قرارها الغذائي والدوائي للخارج. ومن ثم تصبح عبارة “الأمن القومي يبدأ من لوحة توزيع الكهرباء” توصيفاً دقيقاً لعلاقة السيادة بالإنتاج.
ثانياً: أزمة الجبايات وتشوه العقد الاجتماعي للدولة
يشخص جموعة إشكالية دفع الرسوم لأكثر من 15 جهة اتحادية وولائية ومحلية بأنها “قتل استباقي للاستثمار”. هذا الوصف يكشف عن تحول الدولة من كونها “راعية للإنتاج” إلى “مستنزفة له”.
في الاقتصاد السياسي، تُعرف هذه الظاهرة بـ “دولة الجباية” Rentier Bureaucracy، حيث تتعامل الأجهزة الحكومية مع المصنع كـ “بقرة حلوب” يومية بدلاً من “شجرة” تحتاج رياً لثلاث سنوات.
مقترحه بقانون موحد وإعفاء ضريبي لثلاث سنوات هو تطبيق حرفي لمبدأ “نافذة النمو” Growth Window الذي تبنته دول شرق آسيا في بدايات تصنيعها: إعفاء ثم جباية عادلة بعد أن يثمر المشروع.
ثالثاً: البيروقراطية كسياسة مضادة للإنتاج
عندما يتحدث عن “12 مكتباً و 6 أشهر” لإكمال الإجراءات، فإنه لا يتحدث عن بطء إداري فقط. بل عن “سياسة غير معلنة” لصالح الاستيراد وضد الإنتاج. فالزمن هنا كلفة. والمستورد الذي يبيع ويشتري خلال نفس المدة التي ينتظر فيها الصناعي التصديق، هو الرابح بامتياز.
دعوته لمنصة رقمية موحدة خلال 30 يوماً هي دعوة للانتقال من “دولة الجواب” التي تطلب الأوراق، إلى “دولة القرار” التي تمنح الإذن.
رابعاً: الجزيرة كنموذج للمشروع القومي المعطل
يرى جموعة أن ولاية الجزيرة لا تحتاج إلى إغاثة بل إلى “تشغيل”. فهي تملك كل مدخلات النهضة: الأرض، الماء، العمالة، القرب من الميناء والعاصمة. وما عطلها هو تدمير البنية التحتية بالحرب، وغياب القرار السياسي بعد الحرب.
ويحدد روشتة الإنقاذ في 3 نقاط فقط: كهرباء، تمويل ميسر، إيقاف الجبايات العشوائية. ويقطع بوعد قابل للقياس: “الجزيرة قادرة على حمل عبء البلاد بأكملها خلال سنتين”. هذه ليست شعارات، بل معادلة اقتصادية: انخفاض كلفة + تخفيف ضغط + تسريع إجراءات = انتقال من “تجارة الشنط” إلى “إدارة المصانع”.
الخاتمة: من الاستجداء إلى المطالبة بالعدالة
أهم ما في خطاب جموعة هو نسفه لثنائية “الدولة المانحة والقطاع المتسول”. جملته “لا نستجدي دعماً مالياً” تعيد تعريف العلاقة: الدولة لا يطلب منها المال، بل يطلب منها الكف عن العرقلة.
سؤاله “من أطعم الناس عند إغلاق الميناء؟” يضع المنتج المحلي في موقع الفاعل السيادي وقت الأزمة، لا الهامش.
وخلاصة الدرس: “السيادة لا تُقاس بعدد السلاح فقط، بل بعدد المصانع العاملة”.
وعليه، فإن شعار المرحلة كما يراه جموعة واضح: *”الصناعة لا تنتظر خطاباً رناناً.. الصناعة تنتظر قراراً، وأول القرار كهرباء”*.
إذا لم تستجب الدولة لهذا “القرار الأول”، فإننا لن ننتظر انهيار الصناعة فقط، بل سننتظر الأزمة القادمة لنكتشف مجدداً أننا بلا ظهر إنتاجي نحتمي به.



