
حين تخطو وزيرة الصناعة والتجارة *محاسن علي يعقوب* بين جدران المصانع، لا تكون جولتها مجرد زيارة تفقدية روتينية. إنها قراءة في دفاتر الدولة التي تريد أن تستفيق من غفوة الاستيراد، وأن تعيد كتابة معادلتها الاقتصادية بحبرٍ من خضرنا وفاكهتنا وقطننا.
*1. القمة.. حيث يتزاوج الطين بالآلة*
في *مجمع القمة للتصنيع الغذائي* لا يقف الأمر عند خطوط إنتاج. هنا تتحول الطماطم إلى مركزات، والبطاطس إلى منتجات، والفاكهة إلى تجفيف يحفظها للزمن.
هو نموذج نادر للتكامل الذي طالما نادت به الكتب ولم نره على الأرض: *الزراعة تُسلّم للصناعة، والصناعة تُسلّم للعالم*.
المجمع بمراكزه ومخازنه المبردة لا يصنع غذاءً فقط، بل يصنع *أمناً*. يصنع عملة صعبة بدل أن ننزفها في فاتورة الوارد. يصنع قيمة مضافة من أرضٍ كنا نبيع خيرها خاماً ثم نشتريه مصنّعاً بأضعاف الثمن.
*2. نسيج شندي.. بعثٌ لذاكرة القطن*
أما في *مصنع نسيج شندي* فالرائحة مختلفة. رائحة غزلٍ قديم عاد ليُنسج من جديد.
إعادة التأهيل هنا ليست طلاءً وآلات، بل هي محاولة لاسترداد *هوية*. هوية بلدٍ كان قطنه يكسو الأسواق، وغزله يُدرّس في كتب الاقتصاد.
تقول الوزيرة إن الهدف الاكتفاء الذاتي ثم التصدير. لكن الأعمق من ذلك أننا نعيد للعامل كرامته، وللمزارع سوقه، وللدولة خيارها. فلا أمة تنهض وهي تستورد قميصها.
*3. الصناعة كمشروع وطن لا كمشروع مصنع*
ما يجري في القمة وشندي ليس استثماراً لمنظومة بعينها. هو إعلان أن *توطين الصناعة* لم يعد شعاراً في البيانات.
هو رهان على ثلاثة:
– *إحلال الواردات* حتى لا نرهن قرارنا بفاتورة.
– *خلق فرص العمل* حتى لا نهاجر بأحلامنا.
– *تعظيم الموارد المحلية* حتى لا نظل أغنياء بالمواد وفقراء بالقرار.
في زمن التعافي وإعادة البناء، تصبح المصانع هي المعابر. من حقل إلى مصنع، ومن مصنع إلى ميناء، ومن ميناء إلى اسم “صنع في السودان” يعود إلى الخرائط التجارية.
*الخاتمة: حجر الأساس لا يكفي*
زيارة الوزيرة خطوة. والتدشين القادم خطوة. لكن الطريق طويل. يحتاج كهرباء لا تنقطع، وتمويلاً لا يخاف، وعقلاً إدارياً لا يبيع الأصول ثم يبكي عليها.
إن نجح مجمع القمة ونسيج شندي، فلن يكون النجاح لهما وحدهما. سيكون نجاحاً لفكرة أن السودان قادر أن يأكل مما يزرع، ويلبس مما يغزل، ويصدر مما يصنع.
وحينها فقط.. نكون قد بدأنا.




