الاقتصادية

معاوية السقا يكتب : مدن الإنتاج: قنديل الخلاص في عتمة الاقتصاد السوداني

حين قال بروفيسور أحمد التجاني المنصوري “دعونا نتكلم بلغة الأرقام والحقائق” لم يكن يلقي بياناً حكومياً. كان يفتح لنا دفتر الحساب القديم.

ستمائة وخمسة عشر مليون دولار. أربعة ملايين وخمسمائة ألف رأس عبرت الحدود في أحد عشر شهراً. أرقام تليق ببلاد أنهكتها الحرب، وتخجل في حضرة ثروة بحجم السودان.

مفارقة الثروة الفقيرة
نحن نملك أكبر قطيع في أفريقيا، وأكبر مراعٍ، وأطول نهر. ومع ذلك نبيع الحيوان كما يباع التراب في سوق النخاسة. نبيعه حياً بثمانمائة دولار، بينما يمكن أن يعود إلينا مصنعاً بثمانية آلاف.
الفارق ليس في الرقم وحده. الفارق في الكرامة. في أن نصدر عرق رعاة دارفور وكردفان، لا عظمهم ولحمهم.
هنا تبرز فكرة “مدن الإنتاج المتكاملة” التي بدأ نسج خيوطها الأولى في نهر النيل والشمالية. ليست مدينة من طين وإسمنت، بل هي فكرة. فكرة أن نجمع الشتات: المرعى والمصنع والمختبر والميناء في حضن واحد.
من بداوة التشتت إلى حضارة التكامل
لقد أنهكنا التفرق. مربٍّ في الخلاء، ومسلخ على ضفاف النيل، ومصنع في العاصمة، ومصدر في الميناء. وبينهم جيوش من الوسطاء يأكلون من لحم هذا الوطن.
مدينة الإنتاج تقول: كفى. لتكن الدورة كاملة هنا. العلف من أرضنا، والتحسين الوراثي من جامعاتنا، والذبح بمعايير العالم، والتصنيع بأيدي أبنائنا. وحتى الدم والروث والعظم.. لن يضيع. سيعود غازاً يضيء، وسماداً ينبت، وجلداً يُصدّر.
هذا هو الاقتصاد الدائري الذي تتغنى به الأمم. ونحن أولى الناس به، لأن أرضنا معطاء وسماؤنا سخية.
هواجس وردود
سيقول قائل: وأين الكهرباء؟ فأقول: من روث الماشية نوقد مصابيحنا.
وسيقول آخر: وأين المال؟ فأقول: المال يلحق بالمشروع الكبير، والقطاع الخاص ظمآن لفرصة كهذه.
وسيخشى ثالث على البسيط من الرعاة، فأقول: هو أول من سينجو، لأنه سيجد سعراً عادلاً وعقداً موثقاً بدلاً من مزاد الجمعة.
قال الوزير قولاً يستحق أن يُكتب بماء الذهب: “ما كان من خير فمن الله، وما كان من قصور فهو قابل للتصحيح”.
هذه ليست تواضعاً. هذا إعلان نية. نية دولة قررت أن تكف عن بيع الخام، وأن تبدأ في صناعة المستقبل.
ستمائة وخمسة عشر مليون دولار ليست نهاية المطاف. هي عتبة. فإن عبرناها إلى مدن الإنتاج، تحولت إلى ستة مليارات. وإن نكصنا، بقينا رهائن للسوق وللوسيط وللظرف.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الماشية. يحتاج إلى مزيد من الكبرياء. كبرياء أن نكتب على منتجنا: “صُنع في السودان”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى