
▪️في الحوار الذي اجريته مع رجل الأعمال وعراب الصناعة بولاية الجزيرة _البشير الصادق جموعة_. لم يكن حديثه دفاعاً عن مصالحه، بقدر ما كان تشريحاً جراحياً لواقع الصناعة السودانية، وخارطة طريق موجزة لإنقاذ ولاية كانت يوماً “سلة غذاء العالم” ويمكن أن تصبح “سلة صناعة السودان”.
▪️جموعة لا يتحدث من فراغ. يتحدث من داخل ورشة تعمل عشرين ساعة بالمولد، ومن بين فواتير جبايات تدفع لخمس عشرة جهة، ومن وسط بيروقراطية تقتل الفكرة قبل أن تولد. لذلك جاء كلامه مباشراً، بلا تجميل: *المشكلة ليست في المنتج، المشكلة في بيئة العمل*.
▪️لخص جموعة معاناة المنتجين في ثلاثة أوجاع، وهي في الحقيقة ثلاثة أعمدة يقوم عليها أي اقتصاد صناعي. وانهيارها يعني انهيار الكل.
“فاتورة الجازولين وحدها نصف كلفة الإنتاج”. هذه الجملة وحدها كافية لتفسير لماذا نخسر معركة السعر أمام المستورد. يرفع جموعة النقاش من خانة “الخدمات” إلى خانة “الأمن القومي”. فالدولة التي لا تملك كهرباء مستقرة لمصانعها، هي دولة ترهن قرار طعام شعبها للخارج. لا يمكن الحديث عن سيادة غذائية أو دوائية مع مولدات تعمل بالساعات وبالدولار.
▪️أما الوجع الثاني فهو استنزاف الجبايات. أن تدفع ضرائب وزكاة ودمغات أمر طبيعي. لكن أن تدفع لأكثر من 15 جهة اتحادية وولائية ومحلية قبل أن تنتج أول قطعة، فهذا “قتل استباقي للاستثمار”. يشير جموعة إلى خلل هيكلي: الدولة تتعامل مع المصنع كـ “بقرة حلوب” يجب حلبها يومياً، لا كـ “شجرة” يجب ريها لثلاث سنوات حتى تثمر. ومقترحه بقانون موحد وإعفاء لثلاث سنوات هو أبسط قواعد تشجيع الاستثمار التي تعمل بها كل دول العالم.
▪️الوجع الثالث هو تعقيد الإجراءات. “اثنا عشر مكتباً وستة أشهر”. في هذه المدة يكون المستورد قد باع بضاعته وربح واشترى بضاعة جديدة. البيروقراطية هنا ليست بطئاً إدارياً، بل هي سياسة غير معلنة لصالح الاستيراد وضد الإنتاج. دعوته لمنصة رقمية موحدة خلال 30 يوماً هي دعوة للانتقال من “دولة الجواب” إلى “دولة القرار”.
▪️الجزء الأخطر في الحوار هو عندما انتقل جموعة من الشكوى إلى الرؤية. يرى أن الجزيرة لا تحتاج إلى إغاثة، بل تحتاج إلى “تشغيل”. فهي تمتلك كل عناصر النهضة: الأرض، الماء، العمالة، القرب من الميناء والعاصمة. ما دمرته الحرب هو البنية التحتية، وما يعطل التعافي الآن هو غياب القرار. ويضع روشتته في ثلاث نقاط فقط: *إعادة الكهرباء للمناطق الصناعية، تمويل ميسر، وإيقاف الجبايات العشوائية*. ويقطع بوعد كبير: “أقسم أن الجزيرة قادرة على حمل عبء البلاد بأكملها خلال سنتين”. هذا ليس تفاؤلاً. هذا منطق رجل صناعة يحسبها بالأرقام: إذا انخفضت كلفة الطاقة، وخف الضغط الجبائي، وتسارعت الإجراءات، فسينتقل آلاف الشباب من “تجارة الشنط” إلى “إدارة المصانع”.
▪️وهنا ينسف جموعة كل الحجج الحكومية بجملة واحدة: “لا نستجدي دعماً مالياً”. المنتج المحلي لا يطلب قرضاً، ولا منحة، ولا إعفاء جمركي. يطلب فقط أن تكف الدولة عن عرقلته. يطلب كهرباء بعدالة، وجباية بعدالة، وإجراءات بعدالة. ويسأل سؤالاً يجب أن يعلق في كل مكتب حكومي: “من أطعم الناس عند إغلاق الميناء؟ ومن ثبت الأسعار عند غلاء المستورد؟” الإجابة: المنتج الوطني. أي أن صمام الأمان وقت الأزمات لم يكن المستورد، بل المصنع المحلي الذي صمد رغم كل شيء.
▪️حديث البشير جموعة هو خلاصة درس الحرب. اكتشفنا أن السيادة لا تُقاس بعدد السلاح فقط، بل بعدد المصانع العاملة. واكتشفنا أن “الأمن القومي” يبدأ من لوحة توزيع الكهرباء في المنطقة الصناعية بمدني. جملته الختامية يجب أن تكون شعار المرحلة: *”الصناعة لا تنتظر خطاباً رناناً.. الصناعة تنتظر قراراً، وأول القرار كهرباء”*.
▪️الكرة الآن في ملعب الدولة. هل ستمنح الجزيرة الكهرباء والعدالة الجبائية التي طلبها جموعة؟ أم سننتظر الأزمة القادمة لنكتشف مرة أخرى أننا بدون صناعة محلية.. بلا ظهر؟


