
كشفت *وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب* عن دخول كميات من السلع إلى السودان غير مطابقة للمواصفات والمقاييس من حيث الأوزان والجودة وطريقة التصنيع، وذلك عبر قنوات التهريب والاستيراد الشخصي. ووجهت الوزيرة بوضع معالجات عاجلة لحماية الاقتصاد الوطني والحفاظ على صحة المواطن.
ويأتي هذا الإعلان في وقت يشهد فيه السوق السوداني ارتباكاً كبيراً، عقب قرار منع استيراد عدد من السلع الذي اتخذته الحكومة بحجة حماية المنتج المحلي، وهو القرار الذي تحول – بحسب متابعين – إلى “وبال” على المواطن.
القرار والهدف: حماية المنتج المحلي
كان الهدف من قرار منع الاستيراد واضحاً ومعلناً: إتاحة الفرصة للمنتج المحلي كي ينمو ويغطي حاجة السوق، وتقليل فاتورة الاستيراد، وتوفير العملة الصعبة. منطق اقتصادي سليم في ظاهره، وتجربة طبقتها دول كثيرة للنهوض بصناعاتها.
لكن الواقع في السودان كان مختلفاً. فبدلاً من أن يملأ المنتج المحلي الفراغ، وجد المواطن نفسه أمام سلعتين: سلعة محلية باهظة الثمن، وسلعة مهربة مجهولة المصدر.
النتائج العكسية: ارتفاع الأسعار واتساع التهريب
لم ينجح القرار في تحقيق هدفه لسببين رئيسيين. الأول يتعلق بتكلفة الإنتاج المحلي. فمع استمرار أزمة الكهرباء وتذبذب الإمداد، وارتفاع تكلفة الوقود والتشغيل والمدخلات، أصبح المنتج المحلي أغلى من المستورد حتى قبل المنع. وبالتالي، وعندما أغلق باب الاستيراد الرسمي، لم يهبط السعر، بل ارتفع أكثر لأن العرض قل.
السبب الثاني هو أن السوق السوداني لا يمكن فصله عن دول الجوار. فالحدود مفتوحة، والطلب موجود، وحين يغيب التاجر النظامي يدخل المهرب. وهنا مكمن الخطر الذي أشارت إليه الوزيرة محاسن يعقوب. فالسلع التي تدخل تهريباً لا تخضع لرقابة المواصفات، ولا لمعايير الجودة، ولا حتى للوزن الحقيقي. سلع غذائية، وأدوية، ومواد استهلاكية تدخل بطرق “الاستيراد الشخصي” وتباع في الأسواق دون أي ضمانات.
الخطر المزدوج: اقتصاد وصحة
هنا تتضاعف الخسارة. على المستوى الاقتصادي، تتهرب هذه السلع من الجمارك والضرائب، مما يحرم خزينة الدولة من إيرادات هي في أمس الحاجة إليها. كما أنها تضرب المنتج المحلي مرة أخرى، لأن التاجر يجد أن منافسة السلعة المهربة الرخيصة مستحيلة، فيخرج من السوق.
وعلى المستوى الصحي، الخطر أكبر. فسلعة غير مطابقة للمواصفات في وزنها قد تعني غشاً تجارياً. وسلعة غير مطابقة في طريقة التصنيع قد تعني تلوثاً أو مواد حافظة ضارة. وسلعة مجهولة المصدر قد تكون منتهية الصلاحية أو مقلدة. وفي ظل الأوضاع الصحية الحالية، يصبح المواطن هو الضحية الأولى.
أين الخلل؟ فجوة بين القرار والواقع
المشكلة ليست في فكرة “حماية المنتج المحلي” نفسها. المشكلة في توقيت القرار وآليات تنفيذه. لا يمكن أن تمنع الاستيراد قبل أن تضمن 3 أشياء: توفر الكهرباء للمصانع، تخفيض تكلفة التشغيل، وتأهيل المصانع لتغطية الاستهلاك.
حتى الآن، المصانع تعمل بنصف طاقتها بسبب قطوعات الكهرباء. وتكلفة التشغيل بالجازولين تجعل سعر كيس الدقيق أو الزيت المحلي أعلى من نظيره المستورد. فكيف يمكن للمنتج أن ينافس وهو مكبل بهذه الأعباء؟
ماذا بعد؟ معالجات مقترحة
توجيه الوزيرة بوضع “معالجات لازمة” يفتح الباب أمام مراجعة شاملة. والمراجعة يجب أن تبدأ من 4 محاور:
ضبط المنافذ*: تشديد الرقابة على المعابر والأسواق الطرفية، وتفعيل دور المواصفات والمقاييس في نقاط البيع وليس في الميناء فقط.
دعم المنتج لا حمايته بالمنع*: بدلاً من منع الاستيراد، يمكن فرض رسوم جمركية تصاعدية، مع توجيه عائداتها لدعم الكهرباء والمدخلات للمصانع المحلية. حل أزمة الطاقة*: لا نهضة صناعية بدون كهرباء مستقرة. أي قرار اقتصادي يجب أن يربط مباشرة بحلول الطاقة.
توعية المستهلك*: المواطن شريك. يجب أن يعرف مخاطر السلع المهربة وغير المطابقة، ويكون له دور في الإبلاغ.
الخلاصة
قرار منع الاستيراد كان يحمل نية طيبة لحماية الاقتصاد، لكنه تجاهل واقع السوق وواقع الإنتاج. فكانت النتيجة أن المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة في جيبه بارتفاع الأسعار، ومرة في صحته بسلع مجهولة.
ما كشفته الوزيرة محاسن علي يعقوب اليوم ليس مفاجأة. هو النتيجة الطبيعية لسد الباب الرسمي وترك “الشباك” مفتوحاً للتهريب. الحماية الحقيقية للمنتج المحلي لا تكون بمنعه من المنافسة، بل بتأهيله ليصبح قادراً على المنافسة. وإلى ذلك الحين، ستظل الأسواق ممتلئة، لكن بسلع “تدخل من تحت الطاولة”.. وتخرج من صحة المواطن.



