الاقتصادية

“نبوءة السوق تتحقق” البشير الصادق جموعة يحذر من الحظر.. والوزيرة تؤكد: التهريب دخل من الباب الخلفي

تقرير : معاوية السقا

في الاقتصاد، كما في السياسة، الفرق بين “القرار” و”النتيجة” هو مسافة قصيرة يقطعها الواقع بسرعة البرق. وما قاله *رجل الأعمال البشير الصادق جموعة* بعد يوم واحد فقط من صدور قرار حظر الاستيراد، لم يكن مجرد رأي.. كان قراءة ثاقبة لرجل عركته الأسواق، ويعرف نبض الشارع قبل أن تكتبه التقارير.

اليوم، وبعد أن كشفت *وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب* عن دخول سلع غير مطابقة للمواصفات عبر التهريب والاستيراد الشخصي، تتأكد “نبوءة جموعة” بحذافيرها: ندرة، وغلاء، وسوق موازٍ لا يرحم.

*رؤية عراب الصناعة في الجزيرة*
البشير الصادق جموعة ليس مجرد تاجر. هو صوتٌ من قلب الإنتاج، وعرابٌ من عرابي الصناعة في ولاية الجزيرة، حيث يعرف معنى أن تدور الماكينة بالكهرباء، وأن يقف المنتج على رجليه في مواجهة المستورد.

ولذلك لم يهاجم الفكرة. هاجم “التعجل”. قالها بوضوح يومها: القرار سيقودنا إلى ندرة مفتعلة، وسيدفع المواطن ثمنها مرتين: في سعره وفي صحته.
رجل السوق يعلم أن المنع لا يلغي الطلب، بل يرحّله إلى الظل. وما أن يُغلق الباب الرسمي، حتى تُفتح مائة نافذة للتهريب.

*أخطاء القرار: ثلاثة قصور قاتلة*
ما الذي جعل التحذير يتحول إلى واقع خلال أيام؟

1. *القصور الأول: الفصل بين الحماية والتمكين*
أراد القرار حماية المنتج المحلي، لكنه نسي أن يحميه أولاً من نفسه. كيف ينافس منتجٌ محليٌ تكلفته تتضاعف بسبب قطوعات الكهرباء وغلاء الجازولين والمدخلات، مع سلعة مهربة لا تدفع جمارك ولا ضرائب؟ النتيجة كانت متوقعة: المنتج المحلي صار الأغلى، والمستهلك هو الخاسر.

2. *القصور الثاني: تجاهل جغرافيا السوق*
السودان دولة حدودها مفتوحة، وطلبها لا يتوقف. حين تخلق ندرة في سلعة أساسية، فأنت لا تمنعها، بل تمنح المهرب “احتكاراً” جديداً. وهذا ما أشارت إليه الوزيرة محاسن يعقوب اليوم: سلع تدخل بلا وزن، بلا جودة، بلا رقابة.. وتُباع على أنها الحل.

3. *القصور الثالث: تغييب صوت أهل المهنة*
كان يمكن للقرار أن ينجح لو سبقته طاولة مستديرة مع رجال مثل جموعة. لأن رجل الصناعة لا ينظر إلى الورقة فقط، بل ينظر إلى الرف الفارغ في الدكان، وإلى سعر جوال السكر، وإلى دمعة ربة المنزل.

*النتيجة: المواطن يدفع الثمن مركباً*
اليوم ارتفعت أسعار السلع الأساسية لأن العرض قل. وفي المقابل امتلأت الأسواق بسلع “مجهولة الهوية” دخلت تهريباً.
خسرت الدولة إيرادات الجمارك. وخسر المنتج المحلي المنافسة. وخسر المواطن صحته وجيبه معاً.
إنها المعادلة التي حذر منها جموعة: قرار متعجل = ندرة + تهريب + غلاء.

*الخلاصة: الحكمة لا تسبقها العجلة*
لم يكن البشير الصادق جموعة ضد حماية الاقتصاد الوطني. كان ضد أن نحميه بـ “يد مكسورة”. الحماية الحقيقية لا تبدأ بالمنع، بل تبدأ بتوفير الكهرباء، وتخفيض تكلفة التشغيل، وتمويل المصانع، ثم بعد ذلك نقول للسوق: “تفضل، هذا منتجنا”.

ما يحدث الآن هو درس قاسٍ: أن القرارات الاقتصادية لا تُبنى على النوايا الحسنة وحدها، بل على قراءة الواقع. ورجل مثل جموعة قرأ الواقع قبل أن يقرأه الوزير.

اليوم، وقد صدقت نبوءته، المطلوب ليس المكابرة. المطلوب مراجعة شجاعة تعيد للقرار توازنه، وتعيد للمواطن أمنه الغذائي، وتعيد للمنتج المحلي فرصة حقيقية لا “حماية ورقية”. فالسوق لا يكذب.. والتاريخ لا يرحم من يتجاهل صوت أهله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى