
هناك وزراء مالية يحسبون الأرقام، وهناك وزير مالية يزرع الأرقام. عاطف أبو شوك، وزير المالية والاقتصاد والقوى العاملة بولاية الجزيرة، ينتمي بوضوح للفئة الثانية.
حين نسمع “وزارة المالية” نتخيل خزنة، دفتر، ختم، وإيصال 15. لكن الرجل الذي يجلس اليوم على كرسي المالية في ود مدني، قرر أن يحول الخزنة إلى مصنع، والدفتر إلى حقل.
500 فدان في الكاملين. هذا هو الرقم الذي أعلنته وزارته عبر مفوض الاستثمار أمير يحيى هارون. لكن من يقرأ خلف الرقم، يفهم أننا أمام ثورة في مفهوم المالية العامة في زمن الحرب.
المالية التي تفكر كدولة.. لا كتاجر
لسنوات، كانت أزمة الزراعة في السودان ليست في الأرض ولا في المزارع، بل في المدخل. اليوريا تأتي متأخرة، والداب يأتي غالياً، وNPK لا يأتي أصلاً. المزارع في الجزيرة والمناقل والرهد وحلفا والقضارف يزرع وينتظر الباخرة، فتأتيه بعد فوات الموسم.
عاطف أبو شوك فهم هذه المعادلة العبثية. فبدلاً من أن ينتظر أن يشكو المزارعون من غلاء السماد، قرر أن يصبح هو من يوفر السماد.
مشروع مركز الجزيرة لمدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني وصناعة الأعلاف، الذي سينطلق في أكتوبر القادم، ليس مجرد مشروع استثماري تابع لمفوضية الاستثمار، هو في الحقيقة عقيدة جديدة لوزارة المالية.
الوزارة تقول بلسان وزيرها: لن أكون مجرد جهة تجبي الرسوم من المزارع، سأكون الجهة التي تؤمن له ما يزرع به.
لماذا الكاملين؟ عبقرية الجغرافيا
اختيار محلية الكاملين شمال الجزيرة لم يكن اختياراً عشوائياً، كان اختياراً استراتيجياً يدل على عقل اقتصادي يقرأ الخريطة.
الكاملين هي القلب. منها تمد شرياناً إلى مشروع الجزيرة والمناقل، وشرياناً إلى الرهد، وآخر إلى حلفا الجديدة، ورابعاً إلى المشاريع المروية في سنار، وخامساً إلى المطرية في القضارف والنيل الأزرق. هي نقطة ارتكاز تقلل تكلفة النقل التي كانت تلتهم 30% من سعر الجوال، وتجعل السماد بجانب الحقل لا خلف البحر. هذا هو تفكير رجل المالية الذي يحسب التكلفة الحقيقية، لا السعر الظاهري.
ليس مستودعاً.. بل منصة سيادية
العبارة الأهم التي قالها مفوض الاستثمار بتوجيه من الوزير هي: “المشروع منصة إمداد وطنية وليس مستودعاً تجارياً”. الفرق بين العبارتين هو الفرق بين عقلية التاجر وعقلية الدولة.
المستودع يحتكر ليبيع غالياً وقت الأزمة. المنصة تؤمن مخزوناً استراتيجياً قبل الأزمة لتمنع الغلاء أصلاً. عاطف أبو شوك يريد أن يقول للمزارع: ازرع مطمئناً، سمادك موجود في الكاملين قبل بذرتك في الأرض. هذا وحده هو أكبر دعم زراعي.
ثم تأتي اللمسة الأذكى: مصنع الأعلاف.
السودان بلد يرمي ثروته. نحصد الذرة ونرمي سيقانها، نحصد القمح ونرمي تبنه، ثم نستورد علفاً جاهزاً بالدولار. وزارة المالية بقيادة أبو شوك قررت إغلاق هذه الدائرة المجنونة: خذ مخلفاتنا الزراعية، حولها في ذات الـ 500 فدان إلى علف، غذِّ بها ثروتنا الحيوانية، وقلل فاتورة الاستيراد. قيمة مضافة، أمن غذائي، وتوفير عملة صعبة.
الأرقام التي لا تقال
سيقول التقرير الرسمي: المشروع يوفر 150 وظيفة مباشرة ومئات غير مباشرة، ويدعم النقد الأجنبي بعد العام الثاني. لكن الرقم الذي لن يكتبه التقرير هو: استعادة الثقة. حين يرى المواطن أن وزير المالية نفسه هو من يقود مشروعاً لإنتاج السماد والعلف، لا لمضاعفة الرسوم، فهو يستعيد ثقته بأن الدولة عادت شريكاً لا جابياً.
عاطف أبو شوك اليوم لا يقدم مشروعاً، بل يقدم نموذجاً لما يجب أن تكون عليه وزارة المالية بعد الحرب: ليست خزنة تحرس المال، بل مصنع يزرع المال.
لقد تعافت الجزيرة صحياً بمستشفى المناقل، وثقافياً بمسرحها، وها هي تتعافى اقتصادياً لأن وزير ماليتها قرر أن يخلع ثوب الجباية ويرتدي جلباب الزراعة. ومن يزرع المال في الأرض، لا يفقر أبداً.




