التقارير

رئيس هيئة الأركان يعلن حشد قوة الحسم.. البوصلة تتجه غرباً لاستعادة كردفان ودارفور

الخرطوم : المحور

حين يتحدث رئيس هيئة الأركان فإن الكلمات لا تكون للاستهلاك. وحين يعلن الفريق أول ركن ياسر العطا عن حشد قوة الحسم لاستعادة كردفان ودارفور فإن المشهد العسكري والسياسي يدخل مرحلة جديدة. الإعلان ليس مجرد تصريح ميداني بل هو رسم لخريطة طريق وإعادة ضبط للبوصلة نحو الغرب حيث تقع المعركة الفاصلة في مسار الحرب.

دلالة التوقيت لا تخفى على المراقب. الإعلان يأتي بعد استقرار الجبهات في الوسط والشرق وبعد تأمين خطوط الإمداد وترتيب الصفوف. الجيش الذي خاض عامين من القتال في ظروف معقدة ينتقل الآن من وضعية الدفاع وصد الهجمات إلى وضعية المبادرة الهجومية. قوة الحسم بالمسمى وبالمهام تعني أن القيادة العسكرية قررت أن زمن الكر والفر قد انتهى وأن لحظة استعادة الأرض بالقوة الشاملة قد بدأت.

مصطلح قوة الحسم نفسه يحمل رسائل متعددة. هو رسالة طمأنة للداخل الذي أرهقته الحرب وطال انتظاره لعودة الدولة إلى كل شبر. وهو رسالة ردع للخصم بأن المعركة القادمة لن تكون معارك متفرقة بل ضغطاً مركزاً ومتزامناً. وهو أيضاً رسالة للإقليم والعالم بأن الدولة السودانية ماضية في فرض سيادتها على كامل التراب الوطني وأن أي حديث عن تقسيم الأمر الواقع مرفوض سلفاً.

عسكرياً إعلان الحشد يعني أن مرحلة التحضير اللوجستي والاستخباري قد اكتملت أو شارفت على الاكتمال. الحسم لا يكون بالبيان بل بالجاهزية. والجاهزية هنا تعني حشد القوات وتأمين خطوط الإمداد وتحديد الأهداف وتجهيز المسرح العملياتي. كردفان ودارفور ليستا ساحة واحدة بل مسرح عمليات واسع ومتنوع التضاريس والتعقيدات. لذلك فإن حديث رئيس هيئة الأركان عن قوة الحسم يشير إلى تشكيل متكامل من المشاة والمدرعات والمدفعية والطيران المسير والاستطلاع مع غطاء جوي وإسناد ناري يضمن التفوق في الميدان.

سياسياً الخطوة تعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة الواحدة. الحرب التي بدأت في الخرطوم تمددت غرباً وأفرزت واقعاً إنسانياً وأمنياً قاسياً في كردفان ودارفور. النزوح والانتهاكات وانهيار الخدمات كلها نتائج لغياب سلطة الدولة. إعلان استعادة الإقليمين هو إعلان ببدء عودة الخدمات وعودة النازحين وعودة الإدارة المدنية. وهو أيضاً قطع للطريق أمام أي مشاريع موازية تريد تكريس سلطتها على حساب المركز.

اقتصادياً لاستعادة كردفان ودارفور معنى يتجاوز الجغرافيا. الإقليمان يمثلان ثقلاً زراعياً وحيوانياً ومعدنياً. استعادة الإنتاج في حقول الصمغ والسمسم والفول والثروة الحيوانية تعني ضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد الوطني. كما أن تأمين طرق التجارة بين الوسط والغرب يعيد الدورة الاقتصادية إلى طبيعتها ويخفض كلفة النقل والسلع. الحرب عطلت الميناء الجاف في الأبيض وأغلقت أسواق الصادرات. والحسم العسكري هو المفتاح لإعادة فتح هذه الشرايين.

التحدي الأكبر أمام قوة الحسم ليس في السلاح وحده. التحدي في كسب الناس. كردفان ودارفور دفعتا أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية. والمواطن هناك يحتاج إلى أن يرى في الجيش قوة تحرير لا قوة انتقام. يحتاج إلى أن تصل الخدمات مع وصول الطلائع. وأن يبدأ الأمان مع أول خطوة للدولة. لهذا فإن المعركة القادمة شقان. شق ناري تكسبه البندقية وشق إنساني تكسبه الإدارة الذكية والعدالة السريعة والإغاثة العاجلة.

إعلان الفريق أول ياسر العطا يضع الجميع أمام مسؤولياتهم. القوات المسلحة أمام اختبار القدرة على الحسم السريع بأقل كلفة بشرية ومادية. الحكومة أمام اختبار توفير الغطاء السياسي والخدمي لما بعد التحرير. والمجتمع أمام اختبار الالتفاف حول مشروع استعادة الدولة. المعركة في الغرب ليست معركة الجيش وحده بل معركة السودان كله.

قوة الحسم ليست اسماً عابراً. هي عنوان مرحلة. مرحلة تنتقل فيها الدولة من رد الفعل إلى الفعل. ومن الدفاع عن العاصمة إلى استعادة الهامش. ومن إدارة الأزمة إلى فرض الحل. وإذا صدقت النوايا واكتملت الجاهزية فإن الأيام القادمة قد تحمل أخباراً تغير وجه الحرب. فالوطن الذي بدأ استعادته من الوسط لن يكتمل إلا عندما يعود الغرب إلى حضن الدولة. وهذا هو جوهر الحسم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى