التقارير

من البندقية إلى البناء.. إشادة والي الجزيرة بالمقاومة الشعبية تؤسس لمرحلة “ما بعد التحرير”

تقرير – ام امين

تصريحات والي ولاية الجزيرة، الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير، أمام لجنة الاستنفار والمقاومة الشعبية بمحلية مدني الكبرى، تجاوزت الإطار البروتوكولي المعتاد للإشادة. هي في جوهرها إعلان انتقال من مرحلة “معركة الكرامة” إلى مرحلة “تطبيع الحياة”، ورسم لدور جديد للمقاومة الشعبية يتخطى حمل السلاح إلى المشاركة في صناعة الاستقرار.

إشادة الوالي بدور المقاومة الشعبية في “تحقيق الأمن والاستقرار” بعد التحرير، ثم ربطها مباشرة بـ”تطبيع الحياة”، تحمل دلالة استراتيجية. الرسالة تقول إن المقاومة لم تكن ظاهرة طارئة فرضتها الحرب، بل صارت شريكاً في إدارة السلم. الدولة هنا لا تطلب من المقاومة أن تسرّح نفسها وتعود إلى البيوت، بل تطلب منها أن تبدّل المواقع: من الخندق إلى الحي، ومن الكمين إلى السوق. وهذا تحول ذكي يمنع الفراغ الأمني، ويوظف الطاقة الشعبية التي تفجرت أيام الحرب في مشروع البناء.

الدعوة إلى تعميم “دورة الأسلحة الساندة والمسيرات” في كل المحليات تؤكد هذا التوجه. الدورات لم تعد لإعداد مقاتل، بل لإعداد مواطن مساند. مواطن يعرف كيف يتعامل مع المسيّرات، وكيف يكون عيناً للدولة، وكيف يحمي حيه. هذا هو مفهوم “الأمن المجتمعي” في أنصع صوره: الدولة لا تحتكر الأمن، بل تتقاسمه مع المجتمع المنظم.

لفتة الوالي إلى “دور المرأة وتقدمها الصفوف” لم تكن مجاملة. المرأة في الجزيرة كانت خط الإمداد الأول أيام الحرب: تطبخ للمقاتلين، وتداوي الجرحى، وتحمل السلاح في بعض المواقع. والإشادة بها اليوم هي اعتراف سياسي بأن معركة الكرامة لم تكن ذكورية. والأهم، هي رسالة استباقية بأن “تطبيع الحياة” لن ينجح بدونها. فالمرأة هي التي تُقنع الأسرة بالعودة، وهي التي تُعيد فتح المدرسة، وهي التي تُدير السوق. إنصافها في الخطاب الرسمي هو استثمار في الاستقرار.

حضور لجنة أمن الولاية والمحلية، وتأكيد اللواء معاش عبد الله الطريفي على أن المقاومة الشعبية “تقف وتساند القوات المسلحة”، ثم ختم ممثل المقاومة بأن الدورة تتم “بالتنسيق مع الفرقة الأولى مشاه”، كلها تفاصيل ليست عفوية. هي رد مباشر على أي خطاب يحاول أن يصور المقاومة الشعبية كجسم موازٍ للجيش أو بديل عنه. الرسالة واضحة: المقاومة تعمل تحت مظلة الدولة، وبتنسيق مع الفرقة الأولى، وبقيادة الوالي الشرعية. لا كيانات موازية، ولا سلاح منفلت، ولا قرار خارج غرفة العمليات. وهذا هو الضامن الوحيد حتى لا تتحول المقاومة من نعمة إلى نقمة، كما حدث في تجارب دول أخرى. السلاح المنظم تحت عين الدولة يبني، والسلاح المتروك في الشارع يهدم.

الاختبار الحقيقي لتصريحات الوالي سيبدأ بعد “الثلاثة أسابيع” التي تستغرقها الدورة. ماذا بعد؟ هل تتحول لجان الاستنفار إلى لجان أحياء فاعلة؟ هل يتم حصر السلاح وتقنينه؟ هل توضع خطة لإدماج طاقات الشباب الذين حملوا السلاح في مشروعات الإعمار والإنتاج؟

“تطبيع الحياة” الذي تحدث عنه الوالي يعني فتح المدارس، وتشغيل المشافي، وعودة الأسواق، وتأمين الطرق. والمقاومة الشعبية التي أثبتت جدارتها في القتال، مطلوب منها اليوم أن تثبت جدارتها في حفظ الأمن المجتمعي، ومنع الظواهر السالبة، ومساعدة الشرطة، وتسهيل عودة النازحين. هذا هو الامتحان الأصعب، لأن بناء الدولة أعقد من تحريرها.

الجزيرة التي قدمت النموذج في الاستنفار، قادرة أن تقدم النموذج في التطبيع. والوالي بإشادته اليوم، يضع الكرة في ملعب المقاومة والمجتمع معاً. فالمعركة العسكرية حُسمت، لكن معركة الوعي والبناء بدأت للتو. والانتصار فيها يحتاج إلى نفس الروح التي قاتلت، لكن بأدوات مختلفة: بالفأس بدل البندقية، وبالطبشورة بدل الطلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى