
في شهادة حية على حجم المعاناة وسرعة التعافي، استعرض الأستاذ مأمون عمر موسى، المدير التنفيذي لجمعية تنظيم الأسرة السودانية بولاية الجزيرة، تفاصيل عام من العطاء الاستثنائي. من اللحظات الأولى لتحرير ود مدني، إلى مشاهد البكاء أمام شاحنات الدواء، يرسم المسؤول صورة متكاملة لدور منظمات المجتمع المدني في إنقاذ القطاع الصحي، وسط شراكات دولية ومحلية، وخطة طموحة للانتقال من مرحلة الطوارئ إلى الاستدامة.
منذ 1965م جذور ضاربة وهدف نبيل
كشف موسى أن جمعية تنظيم الأسرة السودانية، التي تأسست عام 1965 م على يد نخبة من أطباء النساء والتوليد، لها فرع بولاية الجزيرة يسبق التأسيس الوطني ليعود إلى العام 1965. وأوضح أن الهدف الأسمى للجمعية يتمثل في خفض وفيات الأمهات، حيث أسهمت تدخلات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية بنسبة 26.4% وفقاً للمسح الأسري الأخير عام 2014، مما شكل حافزاً لمضاعفة الجهود.
الحرب تفرض تحولاً: من تنظيم الأسرة إلى الرعاية الأساسية
مع اندلاع الحرب ونزوح الملايين إلى ولاية الجزيرة، وجدت الجمعية نفسها أمام تحدٍ كبير. وأوضح المدير التنفيذي أنه تم توسيع نطاق العمل من تنظيم الأسرة إلى حزمة متكاملة من الرعاية الصحية الأساسية، شملت الفحص والعلاج والإرشاد والدعم النفسي. وتم تفعيل آليتين للعمل: العيادة المتنقلة التي تغطي منطقة يومياً، والفريق الطبي الجوال الذي يرتكز في تجمعات القرى لمدة أسبوع كامل لضمان متابعة المرضى وإحالة الحالات الحرجة للمستشفيات المرجعية.
المناقل.. عاصمة العطاء في المحنة
أشاد موسى بدور العاصمة الإدارية المؤقتة المناقل، التي احتضنت الجمعية بعد سقوط ود مدني. ووجه تحية خاصة للأخ سمير عثمان محمد نور (الهلال الأحمر) على دعمه اللوجستي، كما نوه بالدور البطولي للقابلات الريفيات اللاتي شكلن العمود الفقري للخدمات الصحية في المناطق التي كانت تحت سيطرة المليشيا. وأكد أن الجمعية لم تغادر الولاية قط، بل واصلت تقديم خدماتها من المناقل عبر الفرق الجوالة.
اليوم الثاني للتحرير: عودة فورية وإنقاذ لمرضى الحصاحيصا
في مشهد يعكس سرعة الجاهزية، كانت جمعية تنظيم الأسرة والهلال الأحمر السوداني أول منظمتين تدخلان مدينة ود مدني بعد تحريرها. ومن اليوم الثالث، انطلقت العيادات المتنقلة لتغطي أكثر من 30 منطقة. وبفضل دعم منظمة الصحة العالمية، وفرت الجمعية كميات ضخمة من الأدوية، لتنقذ المئات من المرضى الذين عانوا شح الدواء طوال أشهر الاحتلال.
ويروي موسى قصة مؤثرة خلال توجه شاحنات الإمداد لمستشفى النساء والتوليد بالحصاحيصا: “وجدنا رجلاً ممسكاً بروشتة يبحث عن مستلزمات عملية قيصرية. وعندما أخبرناه أن الدواء موجود، جلس يبكي من الفرح، وشارك في نقل الإمداد بنفسه. هذا المشهد هزنا جميعاً وأكد لنا أثر ما نقدمه”.
من الطوارئ إلى الاستدامة: صيانة وتشغيل 7 مستشفيات
كشف المدير التنفيذي عن تحول نوعي في استراتيجية الجمعية، بالانتقال من الإغاثة الطارئة إلى دعم البنية التحتية للقطاع الصحي. وبشراكة مع منظمة الصحة العالمية، يتم حالياً تأهيل وتشغيل 5 مستشفيات ومركزين صحيين، شملت الأعمال تركيب الطاقة الشمسية، وتوفير الإمدادات الدوائية والمعدات الطبية وأدوات النظافة. وتشمل هذه المؤسسات: مستشفى مدني التعليمي، مستشفى الحوش، مستشفى رفاعة، مستشفى المناقل، مستشفى الأطفال بالمناقل، بالإضافة لمركزين صحيين بالشكينيبة ودار نايل.
شراكات دولية وتمكين للمرأة
تمتد شراكات الجمعية إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان وUNDP وهيئة الأمم المتحدة للمرأة (UNWOMEN). وتشمل التدخلات تأهيل مراكز تنمية المرأة (مثل مركز حي الرياض بمدني) لتدريب النساء على مهارات سوق العمل، وإنشاء مساحات آمنة لتقديم الدعم النفسي للنساء المعنفات أو اللاتي تعرضن لصدمات نفسية خلال الحرب.
خطة 2026: العناية المركزة للنساء والتوسع في الأرياف
أعلن موسى عن خطط طموحة للعام 2026، أبرزها إنشاء غرفة عناية مركزة بمستشفى النساء والتوليد بمدني، وصيانة وتشغيل المستشفى لمدة عام كامل. كما سيتم التوسع في المناطق الطرفية عبر تدخلات في مستشفى الجاموسي ومستشفى الربع بالحصاحيصا. وأكد أن هذه الخطوة تهدف لتثبيت الخدمات قرب المواطنين، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عنهم، مع رفع جودة الخدمة لتشمل التشخيص السليم والرعاية السريرية المتميزة.
التحديات: التضخم يهدد خطط الطوارئ
لم يخفِ المدير التنفيذي قلقه من التحديات التي تفرضها حرب الاقتصاد، خاصة التضخم الذي يضرب خطط البرامج الموضوعة. وأوضح أن بعض المشروعات تُخطط وفق رؤية مالية معينة، ثم يفاجأ الفريق المنفذ باختلال كبير في التكاليف بسبب ارتفاع الأسعار، وهي معاناة طبيعية في ظل اقتصاد الحرب.
رسالة أخيرة: خدمات متكاملة تحت سقف واحد
اختتم موسى لقاءه بالإعلان عن فلسفة جديدة للجمعية، تتمثل في تجميع خدمات الرعاية الصحية الأساسية، والصحة الإنجابية، والدعم النفسي، وعلاج العنف القائم على النوع الاجتماعي، في مكان واحد. وأكد أن هذه الطريقة توفر على المستفيد عناء التنقل، وتضمن جودة وكفاءة أعلى للخدمة المقدمة لإنسان ولاية الجزيرة.



