مقالات

رمضان محجوب.. يكتب : آنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار “الحلقة الثامنة” لهيب “الأبوة”

​■ عاشت “الخرطوم الكبرى” أقسى فصول الترويع وأشد الكوابيس وطأة، مابين عيد فطر صبغته الدماء في 2023 وعيد أضحى لم يعرف للمبارك طريقاً في قلوب المحاصرين، حيث واجه سكان العاصمة المثلثة جحيماً لا يوصف، واختبروا من صنوف الوجع ما لم يخطر على قلب بشر، لتمسي تلك الحقبة هي الأسوأ على الإطلاق في سجل ذكرياتهم الدنيوية.
​■ لم تكن الحرب مجرد قذائف وصواريخ، بل كانت زلزالاً أخلاقياً كشف عن عورات النفوس؛ فبين انتهاكات المليشيا المتمردة من قتل وسحل واغتصاب ونهب ممنهج، وبين مخازي بعض الجيران الذين سقطت أقنعتهم، برزت أنياب الحقد والغل الاجتماعي والأخلاقي، لتتحول البيوت التي كانت يوماً ملاذاً آمناً إلى مسارح لممارسة أسوأ ما تكنه الصدور.
​■ إن هذه الحقبة الكابوسية حُفرت عميقاً في جدار ذاكرة من عاصروها من الضحايا، ولن تمحيها تعاقب السنين، ستظل ملتصقة بوجدانهم ما بقوا، لتقف شاهداً حياً ومزدرياً لسوآت أوباش لا يقيمون للحياة وزناً، ولا تربطهم بالإنسانية أدنى صلة، أولئك الذين استباحوا الأرض والعرض بدم بارد وغطرسة جوفاء.
​■ في تلك الأيام، اشتد حصار الأخلاق والوطنية على من أجبرتهم الظروف على البقاء في ديارهم، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع كائنات مجهولة الهوية والإنسانية، ثلة قليلة من مواطني “الصفوة” نجحوا في هذا الامتحان العسير، كنا نعدهم والزميل محمد عبدالله وبقية الرفاق بالأصابع، وهم القابضون على جمر المبادئ في زمن الارتداد الأخلاقي الكبير.
​■ كان من بين هؤلاء الصامدين من يكتم إيمانه الوطني وهويته الأخلاقية بفقه “التقية”، صوناً للروح من بطش من لا يرحم، بينما اختار آخرون -كنا نعدهم من الراشدين- المضي في درب الأوباش، فعبدوا لهم طريق احتلال منازلنا، وتقاسموا معهم “الغنائم” من زاد ومتاع، وما دروا أنهم إنما يأكلون في بطونهم ناراً ستصلاهم بما كسبت أيديهم.
​■ صبيحة أحد تلك الأيام المثقلة بالمواجع، أطل عليّ في “بقالة ود محجوب” صديقي الشيخ علي شريف، وهو رجلٌ عهدته صلباً لا تزعجه حوادث الليالي ولا تفتّ في عضده الملمات، لكنني في ذلك الصباح لمحت هماً ثقيلاً ينوء به صدره، وشعرت بضيقٍ لم يستطع مواراته خلف هدوئه المعتاد، فسألته بإشفاق الأخ عما يجد من وجع.
​■ فاجأني الشيخ علي بنبأ نزل عليّ كالصاعقة، إذ أخبرني أن ابنته الكبرى، تلك الطبيبة المثابرة في مستشفى الراجحي بدار السلام “أمبدة” منذ نحو عام قبل الحرب، لم تعد إلى البيت منذ يومين، والأنكأ من ذلك أن الاتصال بها أصبح من المستحيلات بعد أن انقطعت شبكات التواصل تماماً عن “الصفوة”.
​■ شعرت حينها بمرارة العجز تسكن حلقي، فابنته هي ابنتي، وألم غيابها يمزق أحشائي كما يمزق صدره، هي تلك الابنة البارة الإنسانية التي أجمع سكان الحي على نبلها، نتاج تربية صالحة من والدين أحسنا تأديبهم، فصارت هي وإخوانها وجوهاً مشرقة للرحمة والبر وسط عواصف القسوة التي ضربت البلاد.
​■ حاولت التماسك أمام علي شريف وهو الذي ينادي كريمته الكبرى ويصفها بأنها “كريميتيه اللتان يرى بهما الدنيا والحياة”، ويحدثني عن تلك الابنة التي كانت سنده بعد الله في هذه الفانية، سكب في أذني وجعه فسكبت له جرعات تطمينية زائفة، أخبرته أنها ستكون في الطريق الآن، وأن الظروف هي ما عاقها.
​■ تقبل علي شريف جرعتي التطمينية بشعور نفسي مشروخ، فضحته دمعات غادرت مقلتيه لم يمنعها “فريم” نظارته الطبية السميكة من الاستقرار على خديه، كانت تلك الدمعات تحكي قصة أب يرى عالمه يتهاوى، ويخشى على فلذة كبده التي هي نور عينيه من غدر الزمان ومن لا يخافون الله في خلقه.
​■ طلبت منه الرجوع إلى البيت لطمأنة والدتها وإخوانها، والبقاء معهم حتى تنجلي الغمة، قفل “ود شريف” راجعاً وهو يمشي الهوينة، موجوعاً وجلاً، وتركني خلفه في البقالة أكثر وجعاً وحزناً، فمنذ عرفته قبل خمس سنوات من الحرب في “الصفوة”، تآخينا وتعاهدنا، وصرنا نتقاسم كل شيء، من فرح وترح، ومن غذاء ودواء.
​■ لم تمضِ سوى ساعتين حتى عاد إليّ علي شريف، وقد ارتدى “لامة” الخروج، معلناً قراره النهائي بالبحث عن كريمته الطبيبة والذهاب إلى المستشفى الذي يبعد عن “الصفوة” حوالي 15 كيلومتراً، قرر ذلك بقلب الأب الذي لا يبالي بالموت، ضارباً عرض الحائط بكل التحذيرات من مخاطر الطريق الوعر.
​■ كانت الرحلة انتحارية بكل المقاييس، فارتكازات الموت والاعتقال التي نصبتها المليشيا على امتداد الطريق من “الصفوة” إلى “سوق ليبيا” كانت تترصد الرجال، لكن نداء الأبوة كان أقوى من صوت الرصاص، وكان عليّ أن أتخذ موقفاً لا يقبل القسمة على اثنين في تلك اللحظة المفصلية.
​■ اشترطت عليه أن أصاحبه في هذه الرحلة، رفض في البداية بشدة خوفاً عليّ من بطش الأوباش، خاصة وأني “صحفي” واعتقالي قد يعني النهاية، لكنني كنت أعلم قلة حيلة الشيخ “علي” وطيبته التي قد لا يفهمها غلاظ القلوب في الارتكازات، مما قد يجعله لقمة سائغة لشكوكهم المريضة.
​■ بعد إلحاح وإصرار مني، وافق على مرافقتي له، دخلت بيتي سريعاً وارتديت ملابس رثة لزوم التمويه، تركت جوالي “الذكي” وبطاقتي الصحفية خلفي، وحملت معي هاتفي الصغير “ريبكا”، فالمليشيا في ارتكازاتها كانت تأخذ الناس بملابسهم وبنوعية هواتفهم، وتصنفهم وفق أهوائها المريضة.
​■ تركت “عبد الخالق” قائماً على أمر البقالة، وأوصيته بالانتباه، ثم خرجنا معاً لمواجهة المجهول، في أول خروج حقيقي لنا من الحي منذ اندلاع شرارة الحرب، كانت شوارع “الصفوة” تئن تحت وطأة الصمت الجنائزي، ونحن نخطو نحو مصير لا نعلم عنه سوى أنه محفوف بالدماء والبارود.
​■ ونحن في طريقنا إلى آخر محطة لاستقلال الحافلة، بدأت ملامح “الغزو” تظهر بقبحها الصارخ؛ أوباش ينتشرون كجراد غريب، عيونهم محتقنة بالدماء ونظراتهم تفيض بالازدراء والاحتقار لكل ما هو مدني، يوزعون الموت المجاني بنظراتهم قبل رصاصهم، ويفوح منهم نتن السكر والعربدة التي أزاحت عنهم ما تبقى من وقار بشري.
​■ كانت فوهات أسلحتهم المصوبة نحو المارة تحكي قصة استلاب كامل للوطن، رأيناهم يتحرشون بالمواطنين الصابرين، يمارسون ساديتهم في التفتيش والتحقيق المذل، وكأنهم يفرغون عقدهم النفسية وتراكمات أحقادهم في وجوه البسطاء الذين لم يحملوا سوى همّ العيش والأمان.
​■ اشتد الزحام والتوتر ونحن نقترب من منطقة الحافلات،وكانت الارتكازات تلوح في الأفق كأفواه جهنم، يتجول بينها مراهقون مدججون بالموت، يتراقصون على أنغام الرعب التي يبثونها في النفوس، وبينما كان علي شريف يغمغم بدعوات خافتة، كنت أحكم قبضتي على هاتفي “ريبكا” وأنا أهيئ نفسي لأول مواجهة مباشرة.
​■ توقفت الحافلة بمحاذاة الارتكاز الأول القابع في “لفة مربع 11″، ارتجفت الأبدان حينما قفز أحدهم بوقاحة السكارى صارخاً في وجوه الركاب: “أنزلوا كلكم.. تفتيش”، هنا توقفت الأنفاس، وبدأت لحظة الحقيقة التي خرجنا لمواجهتها، رحلة البحث عن الطبيبة وسط غابة من البنادق والعقول المغيبة… نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى