مقالات

شموخ عمر تكتب : فارق السن بين الشريكين.. قراءة في واقع الزواج السوداني

أصبح الحديث عن ارتباط الشاب بامرأة تكبره سناً أمراً مألوفاً في مجتمعنا. لم يعد همساً في المجالس، بل خياراً يُطرح بصراحة. وفي رأي الشخصي، هذه الظاهرة في السودان لها سياقها الخاص، وهي انعكاس لتحولات عاشها جيل الشباب والفتيات خلال السنوات الماضية.

من متابعتي للواقع، لاحظت أن فتيات جيل الثمانينات ارتبطن منذ الصغر بهدف واضح: التفوق الدراسي. كان الالتزام والانضباط جزءاً من التربية، فكانت النتيجة دخول كليات القمة، ثم وظيفة، ثم قدرة مبكرة على تحمل المسؤولية. وحتى اليوم وهن في الثلاثينات والأربعينات، لا يزلن يضعن الأسرة وأشقاءهن قبل أنفسهن. أما كثير من أبناء الجيل نفسه، فقد نشأ في ظل تربية أكثر تساهلاً. لم تكن الدراسة هي الهاجس الأول، فكانت النتائج أقل، والخيارات الجامعية أضيق، وبعد التخرج ظل البحث عن فرصة هو الشغل الشاغل. فكبر الشاب، لكن مشروع الاستقرار الشخصي والوظيفي ظل يحتاج وقتاً.

هنا تظهر الفجوة. الفتاة في الثامنة والعشرين تبحث عن شريك يشاركها خطوة الاستقرار، بينما الشاب في سنها لا يزال يبني أساسه. وفي المقابل، ظهر جيل جديد من الفتيات يربط الزواج بمعايير مادية عالية. في هذا السياق، يجد الشاب نفسه أقرب للتفاهم مع امرأة أكبر منه سناً. هي امرأة مرّت بالتجربة، لها استقلاليتها ورؤيتها الواضحة، وتبحث عن شريك حياة. وهو يجد عندها النضج العاطفي والواقعية التي تعينه على صعوبات البدايات. علاقة رضائية بين بالغين، لكل طرف فيها أسبابه.

وإضافة لذلك، صار الشاب في سن الزواج غير مرغوب فيه من جيل التسعينات والألفينات. السبب أن كثيراً من بنات هذا الجيل تربين على مفاهيم جديدة عن “الاستحقاق” و”الأنوثة” بعيداً عن فكرة الاستقلالية والعمل. صار الحلم “زوج جاهز” لا “شريك نبني معه”. فالشاب اليوم لا هو كفء لقرينته التي سبقته في التعليم والمسؤولية، ولا هو حلم البنات الأصغر منه لأنه في الأساس لم يبنِ أساساً قوياً يسمح له بالمنافسة. فكان الخيار الثالث: التقارب مع من تكبره سناً وتفهم ظروفه.

أؤكد أن ما أكتبه هو رأي شخصي، وليس تعميماً ولا دعوة. لا أهاجم الظاهرة ولا أروج لها. لكني أرى أن الأهم من الحكم على الاختيار، هو فهم الدوافع وراءه. المعادلة تحتاج مراجعة: تربية تغرس المسؤولية في الابن كما تغرس الطموح في البنت. وسوق عمل يمنح الشاب فرصة حقيقية للبداية. وثقافة زواج تعيد للمعنى الأصيل مكانته: المودة والرحمة قبل قائمة الشروط.

في النهاية، العلاقة الناجحة لا يُحددها تاريخ الميلاد، بل يقاسها التفاهم والاحترام والصبر على تقلبات الحياة. وإن كان فارق السن اليوم خياراً يتخذه بعض الشباب، فالسؤال الأهم: كيف نصنع واقعاً يتيح لكل شاب وشابة الاختيار بحرية وبدون ضغوط؟

ما رأيكم أنتم؟ هل ترون أن فارق السن خيار شخصي بحت، أم أنه رسالة تحتاج منا وقفة وتأمل؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى