مقالات

شموخ عمر تكتب: قرار الأعيسر يستهدف البديل الأخير للإعلام السوداني

لم يكن قرار وزارة الثقافة والإعلام بفرض استمارة تسجيل إلزامية على المواقع الإلكترونية مفاجئاً، لكن توقيته ومنطقه يثيران الدهشة. في اللحظة التي أصبحت فيها الصحافة الإلكترونية الشريان الوحيد المتبقي للإعلام السوداني بعد غياب الصحف الورقية، يأتي القرار ليستهدف البديل بدلاً من دعمه.

القلق من الشائعات مفهوم في زمن الحرب، غير أن مواجهتها لا تكون برصد الصحفيين ومحاسبتهم أمنياً. الوزارة تمتلك غرف رصد وتحليل ومنصات رسمية وصفة “المصدر”. والسلاح الأنجع ضد الإشاعة هو السرعة في النفي والحسم في التوضيح ومد المواقع بالمعلومة الصحيحة أولاً بأول. السوق نفسه يقوم بدور المحاسب الأقسى: الموقع الذي ينشر إشاعة مرة يفقد مصداقيته، وقوقل يدفنه، والقارئ يهجره. محاسبة تلقائية لا تحتاج لفحص أمني يصطدم بالمادة 42 من الوثيقة الدستورية التي كفلت حرية الصحافة وحظرت الرقابة المسبقة.

نعيش اليوم عصر الإعلام المفتوح. كل فرد يحمل هاتفاً ذكياً صار صحيفة متنقلة، والخبر يقطع القارات في ثوانٍ قبل وصوله إلى مكتب المسؤول. في هذا الواقع يستحيل كبت المعلومة أو حبسها داخل استمارة. محاولة السيطرة على مئات المواقع بقرار إداري تتجاهل وجود مئات آلاف الصفحات والقنوات على فيسبوك وتيليجرام وواتساب تعمل بلا ترخيص. تسجل الجهات الرسمية، وتظهر أضعافها مجهولة في اليوم التالي.

سهولة انتشار المعلومة اليوم غير مسبوقة. تغريدة من حساب مجهول تصل المليون، وفيديو من هاتف بسيط يصنع رأي عام قبل أي بيان رسمي. الوثيقة الدستورية أدركت ذلك فكفلت الحرية ومنعت الرقابة المسبقة، لأن المعلومة إن لم تخرج من الباب ستخرج من النافذة. لا قرار وزاري ولا استمارة قادرة على إيقاف طوفان المعلومات. الحل أن تكون الدولة أسرع وأصدق من الإشاعة، لا أن تخنق المنبر الرصين الوحيد المتبقي.

بعد توقف المطابع تحولت المواقع الإلكترونية إلى مصدر رزق لآلاف الصحفيين والفنيين، وبوابة تدريب للخريجين الجدد لصقل موهبتهم بعيداً عن الواسطات. وهي أيضاً الواجهة الأخيرة للإعلام الرسمي المعتدل الذي يحافظ على قواعد اللغة وأسلوب العبارة. يكفي أن يبحث أي قارئ في قوقل عن “أخبار السودان” ليجد المواقع الإلكترونية في الصدارة، بصورة مشرفة بعيداً عن غثاء السوشيال ميديا. هذه المواقع هي وجه السودان الإعلامي للعالم.

قرار التسجيل بهذه الصيغة متسرع وغير واقعي وصعب التنفيذ. يعيق الصحفي الجاد، ولا يوقف صانع الإشاعة الذي سيفتح صفحة مجهولة ويواصل. الأجدى إلغاء القرار والجلوس مع نقابة الصحفيين لصياغة قانون إعلام جديد يحمي المهنة ولا يخنقها. الصحافة الإلكترونية ليست المشكلة، بل هي الحل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى