
ليست مصادفة أن تتصاعد حملات التشويه المنظمة ضد إدارة الميناء البري بعطبرة في هذا التوقيت بالذات. الحملة واضحة المعالم: محاولة يائسة لتجريم الإدارة التي اختارت أن تقف في وجه الفوضى، وتجرؤ على رفع شعار الانضباط والقانون في مرفق سيادي كان لعقود ساحة مستباحة.
إدارة الميناء البري لا تطلب المستحيل. كل ما تريده هو أن يعود الميناء مؤسسة لا “مُلكاً”، وأن تُحصل الرسوم في الخزنة لا في الجيوب، وأن يكون الشحن داخل الأسوار لا في قارعة الطريق. سياسات بسيطة، لكنها كسرت ظهر من تعودوا أن تكون الفوضى مصدر رزقهم.
وهنا كان الرد: حملة تشويه منظمة، شعارات رنانة عن “قطع الأرزاق”، وتجريم لإدارة كل ذنبها أنها طبقت اللائحة. غرفة البصات السفرية، التي يفترض أنها حارسة مصالح السائقين، كشفت عن وجهها الحقي. تحولت من نقابة إلى سلطة موازية، خميرة عكننة لا يهدأ لها بال إلا إذا رأت القانون مكسوراً والشارع مخنوقاً.
الغرفة لم تعترض على التنظيم لأنها تريد الأفضل، بل لأن التنظيم يعني نهاية “تغولها”. كيف تقبل بسلطة لا تملكها؟ كيف تقبل بعدم تحصيل رسوم بلا سند قانوني؟ كيف تقبل أن يعود الميناء للدولة بعد أن ذاقت طعم السيطرة؟ إنها لا تحارب إدارة الميناء، بل تحارب فكرة الدولة نفسها.
ما تفعله الغرفة اليوم هو إنتاج ممنهج للفوضى. تعطيل البصات بالساعات ليس احتجاجاً، بل ابتزازاً. الشحن خارج الميناء ليس مرونة، بل جريمة في حق السلامة والجمال الحضري لعطبرة. فرض إتاوات على المسافرين ليس دفاعاً عن الرزق، بل سرقة مقننة باسم المهنة.
في المقابل، إدارة الميناء البري تسير في طريق وعر لكنه صحيح. تبسط الأمن، تنظم الدخول والخروج، تحصر المال العام، وتواجه كل يوم جداراً من العصيان لا لأنها أخطأت، بل لأنها أصابت. وكلما خطت خطوة نحو الانضباط، قابلتها الغرفة بخطوتين نحو الفوضى، كأن المطلوب أن تبقى عطبرة أسيرة لمزاج مجموعة لا تعترف إلا بمنطق القوة.
عطبرة التي صنعت التاريخ بالحديد والنار، لا يليق بها أن يحكمها “مزاد البصات”. لا يليق بمدينة علمت السودان الانضباط أن تُدار بالشائعات والضغط. المعركة اليوم ليست بين إدارة وسائقين، بل بين دولة القانون ودولة الغرفة.
على حكومة الولاية أن تختار: إما أن تحمي إدارة الميناء وهي تؤدي واجبها، أو تتركها فريسة لحملة تشويه غرضها إعادة عقارب الساعة للوراء. وعلى مواطن عطبرة أن يعرف أن من يدفع ثمن الفوضى ليس الغرفة، بل هو.. في تأخير سفره، في رسومه الزائدة، وفي وجه مدينته المشوه.
كفى متاجرة بالفوضى. كفى تغولاً على صلاحيات لا تملكونها. الميناء البري مؤسسة دولة، وعطبرة أكبر من أن تُختطف.


