
استقرار الجزيرة ليس شأناً محلياً، بل هو استقرار وطن حدادي مدادي. فالجزيرة قلب السودان النابض، ومتى تعافت، عادت الروح إلى الجسد كله. سقطت فبكى الجميع، وعادت فحملت الولايات كلها فرحاً عفوياً كأنما استردت أنفاسها. ومن بين إشراقات العودة، يبرز القطاع الصحي شاهداً لا يُنكر إلا من في عينه رمد أو في قلبه حسد.
إن عودة الخدمات الصحية في زمن وجيز لم تكن صدفة، بل كانت ثمرة تنسيق محكم بين والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير، ولجنة الأمن، ووزارتي الصحة والمالية. واليوم، تفتح الجزيرة ذراعيها لكل أبناء الوطن، لا لتستقبل النازحين فحسب، بل لتستقبل المرضى طالبي الشفاء. وهنا تبدأ الجزيرة خطوتها الواثقة نحو السياحة العلاجية.
المعادلة بسيطة في منطقها عميقة في أثرها: استقرار القطاع الصحي ركيزة للأمن القومي والتنمية المستدامة. وهذا الاستقرار يقوم على أربعة أعمدة: كادر طبي مُمكّن، وتمويل راشد، وتحول رقمي ذكي، وإدارة حصيفة للمخاطر. وما يجري في الجزيرة الآن هو تطبيق عملي لهذه الرؤية. فبالله عليكم، ألم يحدث هذا على أرض الواقع؟
في قلب هذا التحول يقف بنك الدم المركزي بودمدني، وقد شهد نقلة نوعية جعلته يتصدر بنوك الدم في السودان. يقف خلف هذا الإنجاز الدكتور ناصر أبكر بابكر، الذي قاد فريقه لتركيب أجهزة تُعد من أكفأ ما أنتجته التكنولوجيا الطبية في العالم. جهاز فحص الفيروسات والأمراض المنقولة بالدم يفحص مئتي عينة في زمن قياسي، يمنح الثقة قبل أن يمنح الدم. وإلى جواره جهازان لصفائح الدم يعملان بدقة تليق بإنسان الجزيرة. هكذا يتحول الدم من مجرد سائل إلى شهادة حياة، ويصبح المختبر جداراً من جدران السيادة الصحية.
الجزيرة اليوم لا تقدم خدمة لمواطنيها فقط، بل أصبحت قبلة علاجية لكافة الولايات. مركز الجزيرة للأورام، ومركز ودمدني لأمراض وجراحة القلب، ومركز جراحة الأطفال، ومركز أمراض وجراحة الكلى، ومستشفيات ودمدني التعليمية، كلها تعمل بتناغم لتقول إن العلاج لم يعد رحلة شاقة إلى الخرطوم أو إلى خارج الحدود. كان لوزارة المالية القدح المعلى في هذا الحراك، بمتابعة دقيقة من الوالي ولجنة الأمن، فصار الحلم واقعاً: الجزيرة تخطو بثبات نحو السياحة العلاجية.
الخبر الذي ينتظره مرضى السرطان بفارغ الصبر جاء على لسان الوالي الطاهر إبراهيم الخير: عودة العلاج الإشعاعي بمركز الجزيرة للأورام صارت أولوية قصوى. اللقاء الذي جمع الوالي بوفد شركة UGB المنفذة لصيانة وتأهيل القسم، حمل التزاماً حكومياً واضحاً بدعم المرافق الصحية المتخصصة. الوالي أعلن حرصه على استعادة النظام الصحي بنسبة مائة بالمائة، مستشهداً بما تم: صيانة مستشفى الطوارئ، شراء جهاز تفتيت الحصاوي، توفير مولد كهربائي لمركز القلب، وتركيب وحدات طاقة شمسية بالمستشفيات.
عودة العلاج الإشعاعي ليست رفاهية، بل هي قضية حياة أو موت. كان متوفراً في مركزي الخرطوم والجزيرة فقط، وتعطل بسبب الحرب، فتضاعفت معاناة المرضى، وفُقدت أرواح كان يمكن إنقاذها. العلاج بالخارج مرهق ومكلف في ظل أوضاع اقتصادية قاسية، وعودة الخدمة إلى ودمدني تعني أن المريض سيجد جرعته قريباً من أهله، وأن الكرامة ستعود إلى رحلة الاستشفاء.
ما يجري في الجزيرة اليوم هو أكثر من افتتاح أجهزة وتأهيل مبانٍ. هو استرداد لمعنى الدولة. هو رسالة تقول إن يد البناء أقوى من يد الهدم، وإن من يحمي عرق المزارع يحمي دم المريض. الدكتور ناصر أبكر بابكر في بنك الدم، وزملاؤه في مراكز القلب والأورام والكلى، يرسمون ملامح سودان ما بعد الحرب: سودان يعالج أبناءه بيديه، ويستقبل أشقاءه من الولايات بقلب مفتوح، ويضع حجر الأساس لسياحة علاجية تليق بتاريخه وموقعه.
الطريق لا يزال طويلاً، لكن البوصلة صارت واضحة. وحين يعمل الوالي والطبيب والمهندس والفني في خندق واحد، يصبح الحلم سياسة، وتصبح السياسة إنجازاً. الجزيرة بدأت الخطوة، والوطن كله سيتبعها.




