المجتمع

معاوية السقا يكتب : “الجلخة” خط أحمر.. مجلس الوزراء يقترب من آخر قلاع الصمود النسوي

بينما تتجه أنظار الحكومة إلى ترشيد الاستيراد وضبط فاتورة العملة الصعبة، تتجه أنظار نصف المجتمع إلى “درج التسريحة” بقلق بالغ. فالحديث عن حظر مستحضرات التجميل لم يعد همساً في أروقة الوزارات، بل صار قراراً يلوح في الأفق، ومعه يلوح شبح أزمة جديدة، اسمها: “أزمة الجلخة”.
“الجلخة” في العرف السوداني ليست مجرد كريم يعلو البشرة. هي مشروع استراتيجي عابر للحكومات، وموازنة ثابتة في ميزانية كل بيت، وخطة طوارئ لكل مناسبة طارئة. هي وزارة سيادية لا تخضع لسلطة وزارة المالية، ولا تعترف بسعر الصرف الموازي. الاقتراب منها يعني الاقتراب من خط أحمر، بعده لا يُسأل عن الاستقرار النفسي ولا السلم الاجتماعي.
مصادر مطلعة أكدت أن النقاش الدائر حول حظر الكريمات قوبل بفتور شعبي حاد، وارتفاع في منسوب “النكد المنزلي”. فالمواطن الذي تقبّل رفع الدعم عن الوقود، وتكيّف مع قطوعات الكهرباء، وصالح صفوف الخبز، يبدو غير مستعد نفسياً للتصالح مع “وش باهت” أو “لون شاحب”. فـ”الجلخة” في وعي الجمعي ليست رفاهية، بل حق من حقوق “الطلة”، وركن أساسي من أركان “الجاهزية للمناسبات”.
الخبراء الاقتصاديون حذروا من أن المساس بـ”اقتصاد الجلخة” ستكون له تداعيات تتجاوز الميزان التجاري. فتعطيل سلاسل إمداد “الكريمات” سيؤدي إلى شلل في قطاع عريض يشمل المصورين، وفناني المكياج، و”الحنانات”، ومحلات تصوير “الحفلة”. وهو قطاع يقدّر خبراء الظل أنه يساهم بنسبة لا يستهان بها في “الناتج المحلي للسعادة”. فإذا توقفت “الجلخة”، توقفت الأعراس، وإذا توقفت الأعراس، فمن سيشتري “الشبّال” و”الريحة” و”الثياب”؟
الحكومة ترى في القرار حماية للعملة الصعبة. والشارع يرى فيه استنزافاً للعملة الأصعب: عملة المزاج العام. فـ”الجلخة” هي التي تمتص صدمة الفواتير، وتلمّع واقعاً متعباً، وتمنح المواطنة هامشاً من “النضارة” في وجه يوم قاسٍ. فكيف يُطلب من الناس أن تواجه الغلاء والقطوعات والحر بـ”وش حقيقي”؟ “الطبيعي” يحتاج بيئة طبيعية: ماء لا ينقطع، وكهرباء لا ترمش، وبال رائق. وهي شروط لم تتوفر بعد في دفتر الحكومة.
اللافت أن الأسواق استبقت القرار كالعادة. أسعار “علبة التفتيح” قفزت خلال أيام، و”الخلطات” دخلت السوق السوداء، وظهرت مهنة “سمسار كريمات” بخبرة لا تقل عن خبرة سماسرة الدولار. وصارت “التركيبة” تُحفظ في الخزائن، وتُتداول بالهمس. والحكومة التي أرادت ضبط الاستيراد، صنعت سوقاً موازياً للجمال، لا تملك عليه سلطة ولا جمارك.
الرسالة التي تتردد في مجالس النساء واضحة: أصلحوا ما شئتم، ارفعوا الدعم، عدّلوا التعرفة، افتحوا الملفات. لكن اتركوا “الوش” لأهله. فالمواطنة التي صبرت على كل شيء، لن تصبر على أن تقف الدولة بينها وبين “فتيلها”. هذه آخر مساحات السيادة الشخصية، وآخر قلاع “الرضا عن النفس”. فإن سقطت، فلن ينفع بعدها بيان، ولا تبرير.
وعليه، فإن أي مقص حكومي يقترب من “صينية الجلخة” يجب أن يعيد الحساب. فالحكومات التي اقتربت من “المطبخ” اهتزت، والتي اقتربت من “التسريحة” ارتبكت. و”الجلخة” يا سادة، ليست ملفاً اقتصادياً فقط. هي ملف أمن قومي، ناعم الملمس، واضح الأثر.
فدعوا الناس “تتجلخ” لترى الدنيا بلون أفتح، حتى لو كان الواقع لا يزال بدرجة “الكاكاو الغامق”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى