المجتمع

معاوية السقا يكتب : بشير جموعة.. سيرة رجل أعمال جعل من التجارة جسراً للرحمة، ومن الربح زكاةً للوطن

لم يولد بشير جموعة وفي فمه ملعقة من ذهب، بل وُلد وفي عينيه حلمٌ من نور. نشأ في بيتٍ يعرف أن الجار قبل الدار، وأن اللقمة إن لم تقسم على اثنين لا تهنأ. تعلم من صغره أن التجارة ليست ربحاً وخسارة في الدفاتر، بل هي ميزانٌ بين ما تأخذ وما تعطي. وأن التاجر الصادق تاجرٌ مع الله قبل أن يكون تاجراً مع الناس.

حمل تلك القيم معه حين دخل السوق. لم يسعَ إلى الثروة لذاتها، بل سعى إلى القدرة. القدرة على أن يكون سنداً، وعوناً، وملاذاً. فكبرت تجارته، وكبر معها قلبه. وكلما اتسع رزقه، اتسع صدره للناس. لم تغيره الأرقام، ولم تُسكره الأرباح، لأنه كان يرى في كل جنيهٍ أمانة، وفي كل نجاحٍ تكليفاً.

يؤمن بشير جموعة أن رأس المال ليس ما تملكه، بل ما تتركه من أثر. وأن الشركات الكبرى لا تُقاس بحجم أصولها، بل بحجم إنسانيتها. لهذا، لم تكن مسؤوليته المجتمعية بنداً في ميزانية آخر العام، ولا لافتةً تُرفع في المناسبات. كانت نبضاً يومياً، وسلوكاً مؤسسياً، وثقافةً تسري في كل موظفٍ وعاملٍ في مجموعته. لا يرى في الفقير متلقياً للصدقة، بل شريكاً في الوطن له حقٌ أصيل. ولا يرى في العطاء منّة، بل يراه وفاءً لدَين. دَين الأرض التي أنبتته، والناس الذين اشتروا منه، والوطن الذي منحه الأمن لينمو.

حين اندلعت الحرب، وتهاوت المؤسسات، وتقطعت السبل، كان بشير جموعة من أوائل الذين أدركوا أن الحياد في زمن الكارثة خيانة. لم يغلق مكاتبه ويرحل، ولم يجمّد أمواله وينتظر. فتح خزائنه قبل أن تفتح المنظمات نداءاتها. وسيّر القوافل قبل أن تتحرك الشاحنات الأممية. أطعم الجائع في معسكرات النزوح، وسقى العطشان في قرى الجزيرة، وداوى المريض في مستشفياتٍ بلا دواء. تكفل بمراكز غسيل الكلى حين توقفت الأجهزة، ودعم مطابخ التكايا حين نفد الدقيق، ووزع الكساء حين جاء الشتاء على أجسادٍ عارية. لم يسأل من أنت، ولا من أين أتيت. كان سؤاله واحداً: ما الذي يؤلمك؟

لقد حوّل شركاته إلى خلايا نحلٍ للعطاء. جعل من موظفيه جيشاً للخير، ومن شاحناته قوافل للحياة، ومن علاقاته جسوراً لإيصال المساعدات. لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي، بل كان يبحث عن ثغرٍ يسده. ويقول إن التاجر الحقيقي هو من يتاجر مع الله في أوقات الكساد، لا في أوقات الرواج.

يدرك بشير جموعة أن إطعام البطون مهم، لكن إطعام العقول أبقى. وأن الدواء يعالج المرض، لكن التعليم يمنع حدوثه. لهذا، كان استثماره الأكبر في الإنسان. بنى المدارس في القرى النائية، وكفل الطلاب المتفوقين من الأسر المتعففة، ودعم مراكز التدريب المهني لتخريج جيلٍ يملك صنعةً تغنيه عن السؤال. في زمن النزوح، حين توقفت المدارس، أنشأ فصولاً داخل مراكز الإيواء. وزع الحقيبة المدرسية، والدفتر، والقلم. لأنه يؤمن أن الطفل الذي يفقد التعليم، يفقد المستقبل مرتين.

من صفات بشير جموعة أنه يكره الأضواء. يعطي بيمينه ما لا تعلم شماله. يرفض أن تُكتب اسمه على جدران المدارس التي بناها، أو على كراتين الإغاثة التي وزعها. يقول إن الأجر يُنقصه الرياء، وإن الكرامة في أن يأخذ المحتاج حقه وهو مرفوع الرأس. لم يستثمر يوماً في الشكر، ولم ينتظر التصفيق. يمضي بين الناس كواحدٍ منهم. يجلس على الأرض في المخيمات، ويأكل مع العمال في شركاته، ويستمع للمريض أكثر مما يتكلم.

بشير جموعة ليس قصة نجاحٍ مالي، بل قصة نجاحٍ إنساني. لم يدخل التاريخ من باب الأرقام، بل من باب القلوب التي ضمدها، والبطون التي أشبعها، والدموع التي مسحها. في زمنٍ طغت فيه المادية، وقلّ فيه الوفاء، بقي هو دليلاً على أن الخير باقٍ في أمة محمد. وأن السودان ما زال ينجب رجالاً يرون في المال وسيلة، لا غاية. وفي الغنى مسؤولية، لا امتيازاً.

سيُروى للأجيال أن تاجراً اسمه بشير جموعة مرّ من هنا. فلم يكن عابراً، بل كان مقيماً في وجدان الناس. بنى، وأعطى، وسند، ومضى تاركاً خلفه إرثاً لا يُقسّم في المحاكم، بل يُروى في المجالس: إرث الرحمة. وسيظل اسمه منقوشاً لا على الحجر، بل على صفحات القلوب. لأن ما كان لله، دام واتصل. وما كان للناس، خُلّد وارتحل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى