المجتمع

فاطمة حافظ تكتب: السلطان حسن برقو.. قصة رجل يمشي بين الناس جابراً للخواطر رئيس لجنة المنتخبات السابق الذي جعل من الشغف بالملاعب جسراً لنجدة المكلومين

حين دوّى صوت المدافع، وسكت هدير الملاعب، وخيّم الصمت على المدرجات، ظنّ كثيرون أن الرياضة ستخلع ثوبها وترحل، وأن نجومها سيتوارون خلف الخوف. لكن رجلاً اسمه حسن برقو أبى إلا أن يثبت أن الرياضة ليست ترفاً يُؤجل، بل ضميرٌ يتحرك حين يصمت الجميع. وأن المسؤولية لا تسقط بسقوط الأعمدة، بل تشتد.

لم يكن حسن برقو يوم الحرب مسؤولاً في الدولة، ولم يكن يحمل تفويضاً رسمياً. كان يحمل ما هو أعظم: قلباً لم يتعلم الحساب، وذاكرةً لم تنسَ وجوه البسطاء الذين كانوا يهتفون للمنتخب في الرخاء. فقرر أن يحوّل رصيده من المحبة، وعلاقاته التي بناها في سنوات العمل الرياضي، إلى طوق نجاةٍ لوطنٍ يغرق.

ما يميز جهد برقو الإنساني في الحرب أنه لم يأتِ من باب الوجاهة، بل من باب الوجع. رأى النازحين فتذكر أنهم ذات الجمهور الذي كان يملأ الاستادات. رأى الأطفال الحفاة فتذكر أن فيهم موهبة قد تموت قبل أن تركل الكرة. ورأى الأمهات الثكالى فأدرك أن الفرح الذي كان يصنعه في الملاعب، صار دَيناً عليه أن يصنعه في المخيمات.

تحرك الرجل قبل أن تتحرك المنظمات. سيّر قوافل الغذاء إلى معسكرات النزوح في الجزيرة والقضارف ونهر النيل، وحمل معه الدواء إلى مناطق انقطع عنها كل شيء إلا الموت. لم يكتفِ بالإرسال من بعيد، بل كان في مقدمة الركب، يقف تحت الشمس، يوزع بنفسه، ويصغي للشكاوى، ويطبطب على الأكتاف. كان يؤمن أن الكرامة في العطاء، وأن يد المعطي يجب أن تسبق عين الكاميرا.

في زمنٍ عزّ فيه الدواء، خصص برقو جزءاً من جهده لدعم المستشفيات ومراكز غسيل الكلى وعلاج الأطفال. تكفل بحالات لا يعرف أصحابها، ودفع فواتير عمليات جراحية لأناسٍ لم يلتقِ بهم يوماً. كان يقول إن الذي يفرح لهدفٍ في مرمى الخصم، يجب أن يحزن لطفلٍ يموت على باب المستشفى. وإن الرياضة التي لا تصنع إنساناً، لا تستحق أن تُشجع.

لقد استثمر حسن برقو اسمه الذي لمع في الرياضة ليفتح أبواب الخير. طرق مكاتب رجال الأعمال، وخاطب زملاءه من الرياضيين العرب والأفارقة، وحشد نجوم الكرة السودانية ليكونوا سفراء للعطاء. أطلق مبادرات “دفء شتاء” للنازحين، و”حقيبة العودة” للأطفال، و”قطرة ماء” للقرى العطشى. وحوّل شعبية المنتخب التي ساهم في بنائها، إلى شعبية لفعل الخير.

لم يكن عمله مجرد إغاثة عابرة. كان يحمل رؤية بأن الرياضة يمكن أن تكون رافعة للمجتمع حتى في الحرب. لذا دعم مراكز الإيواء بالأنشطة الرياضية للأطفال لتخفيف الصدمة، ونظم مباريات رمزية بين فرق النازحين ليقول لهم إن الحياة لم تتوقف. كان يزرع الأمل كما كان يزرع الانضباط في المنتخبات: بهدوء، وإصرار، وإيمانٍ بأن الغد ممكن.

واجه الرجل التشكيك، وسهام السياسة، وتهمة “الاستثمار في المآسي”. لكنه مضى، لأن الذي يرى دمعة اليتيم لا يلتفت لمن يعدّ دموعه. وكان يردد أن التاريخ لا يذكر من صمت، بل يذكر من تحرك. وأن المنصب زائل، والمال زائل، ولا يبقى للمرء إلا ما قدمه للناس حين كانوا في أمسّ الحاجة إليه.

إن الحرب فرزت الناس، وأظهرت أن البطولة ليست في الميدان وحده. هناك بطولة أخرى، تُخاض في صمت، سلاحها كيس دقيق، وذخيرتها كرتونة دواء، ونصرها ابتسامة طفل كان يبكي. وكان حسن برقو أحد أبطالها.

سيُكتب أن رجلاً جاء من ملاعب كرة القدم، فلم تحبسه المستطيلات الخضراء. خرج إلى المستطيل الأكبر: مستطيل الوطن الجريح. وركل اليأس بقدم العطاء، وسجل في مرمى الحرب أهدافاً من الرحمة.

حسن برقو الرياضي لم ينتظر أن تعود الحياة إلى الملاعب، بل حمل الملاعب إلى الحياة. وأثبت أن الإنسانية هي البطولة الأصدق، وأن المسؤولية المجتمعية ليست منّة، بل دَينٌ في رقبة كل من أُعطي محبة الناس.

وحين تضع الحرب أوزارها، ويعود الهدير إلى الاستادات، ستكون هناك مقاعد كثيرة شاغرة. لكن ذكرى الذين صمدوا، والذين أعطوا، والذين ضمدوا، ستملأ المكان. وفي مقدمتهم اسم حسن برقو.. الرجل الذي جعل من الرياضة قلباً، ومن القلب وطناً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى