
الموت حق، والآجال مكتوبة. لكن حين يتحول الطريق إلى شريك في القتل، يصبح الصمت تواطؤاً، والتقصير جريمة لا تُغتفر. بالأمس، ابتلعت الأرض قرب قرية ود الماجدي خمسة عشر روحاً في حادث مروع بين بص سياحي وحافلة ركاب. كان معظمهم من أبناء محلية الكاملين، عادوا من سفر فما وصلوا إلى ديارهم إلا جثامين. نسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء، وأن يربط على قلوب أهلهم بالصبر والسلوان.
لكن العزاء لا يلغي السؤال، والترحم لا يمنع الحساب. طريق الخرطوم – مدني لم يعد طريقاً، بل صار فخاً منصوباً يحصد الأبرياء كل يوم. حفر عميقة نخرت الأسفلت حتى صار السائق يلاعب الموت في كل منعطف. يمنةً هروباً من حفرة، ويسرةً تفادياً لأخرى، فتكون النتيجة اصطداماً مدوياً يخلّف مأتماً جديداً.
المفارقة الموجعة أن المواطن صار هو الدولة. في قرى مثل الكسمبر، حمل الأهالي المعاول وردموا الحفر بجهدهم البسيط ومالهم الشحيح. مشهد يفيض بالوعي والمسؤولية، لكنه في الوقت نفسه شهادة إدانة دامغة للتقصير الرسمي. حين يعجز الأسفلت عن الصمود عشرين عاماً بلا صيانة، وحين تتحول نقاط العبور إلى ماكينات تحصيل تبتلع مليارات الجنيهات يومياً، يحق للمواطن أن يسأل: أين تذهب هذه الأموال؟ وأين نصيب الطريق من رسومه؟
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخشى أن يُسأل عن دابة عثرت في طريق العراق لأنه لم يمهد لها الطريق. فكيف بمن يُسأل اليوم عن خمسة عشر نفساً أُزهقت لأن الطريق لم يُمهد؟ كيف بمن يُسأل عن أم فقدت ابنها، وعن طفل صار يتيماً، وعن بيت أطفأت الحادثة سراجه؟
الطريق ليس ترفاً، بل هو شريان حياة. به تصل الأدوية، وبه تُنقل المحاصيل، وعليه يعبر الطالب إلى جامعته والعامل إلى مصنعه. وإذا انقطع الشريان، مات الجسد. استقرار الجزيرة يعني استقرار السودان، لكن أي استقرار يُرجى وطريقها الرئيسي ينزف أرواحاً كل أسبوع؟
إن استنزاف رسوم العبور بلا عائد منظور على الأسفلت، هو خيانة للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. المال يُؤخذ باسم الصيانة، فأين الصيانة؟ الأرواح تُزهق باسم القدر، فأين الأخذ بالأسباب؟ القدر لا يُلغي المسؤولية، والإيمان لا يبرر الإهمال.
يا وزير مالية الألم، يا من تمر المواكب من أمامك معبدة، هل مررت يوماً بطريق الخرطوم – مدني؟ هل رأيت كيف تتحول الحفرة إلى قبر، وكيف يصبح المنعطف إلى مأتم؟ إن لم يكن المال كافياً، فأين الشفافية؟ وإن كان كافياً، فأين الضمير؟
إلى متى يستمر هذا الصمت؟ وإلى متى يظل هذا الطريق يحصد أرواح الأبرياء بدم بارد؟ إن صيانة الطرق ليست منّة من أحد، بل هي أبسط حقوق المواطن على دولته. وهي ليست إجراءً فنياً، بل إجراء أخلاقي يفصل بين دولة تحترم شعبها، وأخرى تراه أرقاماً في دفاتر الجباية.
رحم الله شهداء ود الماجدي، وجعل دماءهم لعنة على كل مهمل، وصيحة توقظ كل ضمير غافٍ. فالطريق إلى مدني يجب ألا يبقى “طريق الموت”. يجب أن يعود طريقاً للحياة، أو فلتصمت كل الخطب عن التنمية والنهضة، لأن التنمية لا تمشي على أسفلت مثقوب.




