
في زمنٍ كانت البندقية فيه أعلى صوتاً من الأذان، والمدافع أبلغ من خطب المنابر، انبثق من قلب العتمة نورٌ اسمه “الشيخ الأمين”. لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يخطب في الجموع، لكنه حمل ما هو أمضى من السلاح: الرحمة. وما هو أبلغ من الخطب: الفعل.
حين ضاقت الخرطوم على أهلها، وتشظت أم درمان بين نازح ومحاصر، كان “الشيخ” يمشي بين الركام بخطى الواثقين بالله، لا يلتفت لدويّ القذائف، لأن في أذنه دوياً آخر: أنين الجوعى، وبكاء الأمهات، وارتعاشة اليتيم الذي فقد كل شيء إلا الأمل. فتح داره فصارت وطناً لمن لا وطن له، ومدّ مائدته فصارت نيلاً يروي عطش المنكوبين.
لم يسأل طارق بابه عن قبيلته، ولا عن لونه السياسي، ولا عن الجهة التي فرّ منها. كان سؤاله واحداً: “جائع؟”، “مريض؟”، “خائف؟”. فإذا كان الجواب نعم، دخل في ذمته، وصار أمانة في عنقه حتى تهدأ العاصفة. في حضرة الموت، كان هو “الحياة”. وفي زمن الانقسام، كان هو “الجامع”.
ما أبلغ درسه حين جعل من “التكية” مفهوماً يتجاوز القدر والملعقة. التكية عند الشيخ الأمين كانت دولة مصغرة من الرحمة: فيها مشفى ميداني يداوي فيه القلوب قبل الجراح، ومدرسة صغيرة يعلّم فيها أطفال النزوح أن الحرف لا يموت وإن احترقت الكتب، ومسجدٌ يرفع فيه الدعاء لا للطائفة، بل للإنسان.
لم يكن يوزع الخبز فحسب، بل كان يوزع الكرامة معه. يضع اللقمة في فم العجوز بيده، ويمسح على رأس الطفل كأنه أبوه الذي فقده، ويستر امرأة خلعت الحرب ثوبها، فيسترها الشيخ بثوب من عفافه هو. كان يعلم أن الحرب لا تقتل الجسد وحده، بل تقتل الروح حين تُذل. فكانت مهمته أن يحفظ الروح من الذل.
قالوا: “الحرب تُخرج أسوأ ما في الناس”. لكن الشيخ الأمين كذّب هذه المقولة. كان برهاناً حياً على أن الحرب أيضاً تُخرج أنبل ما في الإنسان، حين يكون الإنسان إنساناً حقاً. وقف في وجه الخراب لا بخطبة عصماء، بل بقدح ماء، وبطانية، وبكلمة “يا ولدي” يقولها للنازح فيحس أن له أباً بعد أن ظن أن الآباء ماتوا كلهم.
ستكتب كتب التاريخ عن المعارك والفاتحين، وستحصي عدد الطلقات والمواقع. لكن التاريخ الصادق سيكتب في الهامش، بحبر من نور، أن أم درمان صمدت لأن فيها “شيخاً” اسمه الأمين. لم يحرر مدينة بالسلاح، بل حرر الإنسان من يأسه. ولم يبنِ جسراً من حديد، بل بنى جسراً من الرحمة عبرت عليه آلاف الأرواح من ضفة الموت إلى ضفة الأمل.
سلامٌ على الشيخ الأمين في الخالدين.
سلامٌ على يديه حين كانتا وطناً.
وسلامٌ على قلبه حين كان للسودان كله، بلا شرط، بلا منّ، بلا مقابل.
فمثله لا يموت، لأن العطاء إذا صدق، صار خلوداً.



