
ألف ومائة وإحدى عشر يوماً. رقمٌ قد يمر عابراً في تقويم الحرب، لكنه في مسيد الشيخ الأمين بأم درمان صار عمراً من الصمود، ودفتراً مفتوحاً على صفحة من العطاء لا تعرف الانقطاع. في زمنٍ كانت فيه الخرطوم تتنفس الخوف، كان المسيد يتنفس الحياة. وفي أيامٍ كان فيها الجوع يطرق الأبواب، كان قدر الشيخ الأمين أن يفتح بابه على مصراعيه.
لم يكن هذا العطاء لحظة انفعال عابرة، ولا مبادرة طارئة تموت بانتهاء المعركة. كان قدراً اختاره الرجل لنفسه يوم رأى أم درمان جريحة. فمنذ أول يوم سقطت فيه قذيفة على حي، وحتى اليوم الألف ومائة وإحدى عشر، ظلت “التكية” مفتوحة. لم تُغلق أبوابها لأن الذخيرة نفدت، ولم تتوقف يدها لأن المال قلّ. ظلت توزع الخبز والماء والستر، كأنها تقول للمدينة: “ما دمت حياً، فلن تموت جوعاً”.
ما يلفت في هذه التجربة أنها أعادت تعريف معنى “المسيد”. لم يعد مكاناً للذكر والتلاوة فقط، بل صار دولة مصغرة من الرحمة. فيه مشفى ميداني يداوي الجرحى، ومائدة مفتوحة تطعم الجائع، ومدرسة صغيرة تعلم أطفال النزوح أن الحرف لا يموت وإن احترقت الكتب. فيه كلمة “يا ولدي” التي يقولها الشيخ للنازح فتعيد له شيئاً من الأب الذي فقده، وغطاءٌ يستر امرأة خلعت الحرب ثوبها، فيسترها الشيخ بثوب من عفافه هو.
العبقرية هنا لم تكن في حجم العطاء، بل في فلسفته. الشيخ الأمين لم يكن يوزع اللقمة فحسب، بل كان يوزع الكرامة معها. لم يسأل طارق بابه عن قبيلته أو لونه أو جهته. كان سؤاله الوحيد: “جائع؟ مريض؟ خائف؟”. فإذا كان الجواب نعم، دخل في ذمته، وصار أمانة في عنقه. وفي زمنٍ تقطعت فيه أواصر الدولة، كان المسيد هو الدولة. وفي زمنٍ انهارت فيه مؤسسات الإغاثة، كانت يد الشيخ هي الإغاثة.
ألف ومائة وإحدى عشر يوماً تعني أن العطاء صار عادة، وأن الرحمة صارت منهجاً. تعني أن الجائع الذي أتى في اليوم الأول، عاد في اليوم الثاني لا لأنه جائع فقط، بل لأنه وجد إنساناً يعامله كإنسان. تعني أن الأطفال الذين جلسوا في حلقة المسيد ليتعلموا الحرف، لم يتعلموا القراءة فقط، بل تعلموا أن هناك من لم يتخلَّ عنهم.
الحرب تختبر معدن الناس. تختبر من يحمل السلاح ومن يحمل الرحمة. وتثبت الأيام أن معركة الخبز لا تقل شرفاً عن معركة البندقية. وأن من حرر إنساناً من يأسه، فقد حرر وطناً كاملاً. الشيخ الأمين لم يحرر مدينة بالسلاح، لكنه حرر آلاف الأرواح من براثن الذل واليأس.
اليوم، وبعد 1111 يوماً، لم يعد المسيد مجرد مكان. صار رمزاً. رمزاً لأن السوداني قادر على العطاء حتى في أقسى لحظات الانكسار. رمزاً لأن الرحمة أقوى من الرصاص، وأن الكلمة الطيبة أبقى من القذيفة. ورمزاً لأن “الإنسان” إذا صدق في عطائه، صار خالداً.
ستكتب كتب التاريخ عن المعارك والفاتحين، وستحصي عدد الطلقات والمواقع. لكن في هامش هذا التاريخ، بحبر من نور، سيُكتب أن أم درمان صمدت لأن فيها رجلاً اسمه الأمين. لم يكن جنرالاً، ولم يكن سياسياً، لكنه كان وطناً كاملاً يمشي على قدمين.
فليسأل من يريد أن يسأل: ما سر هذا الصمود؟ والجواب بسيط: لأنه عطاء بلا منّ، وخدمة بلا مقابل، وكرم بلا حساب. ولأن الشيخ الأمين فهم أن الكرامة لا تُشترى، بل تُهدى.
وما دام في السودان من يقدم هكذا عطاء، فالوطن بخير. وما دام في أم درمان من يفتح بابه هكذا، فالأمل لم يمت.




