الاقتصادية

فاطمة حافظ تكتب : يداً بيد مع السوق.. حين انتصرت مالية الجزيرة لكرامة التاجر

الحياة لا تعود إلى المدن بعد الحرب إلا حين يعود السوق إلى صخبه. السوق ليس حوانيت وأرصفة بل هو نبض المدينة وملامح كرامتها. وعندما اجتاحت الحرب ولاية الجزيرة كان السوق أول الخاسرين. احترقت المستودعات ونُهبت المتاجر وتبعثر رأس المال وسكن الرعب قلوب التجار حتى خُيل للجميع أن النهاية قد حلت. لكن وزارة المالية اختارت أن تبدأ من الركام. بداية تقول إن التاجر ليس خصماً تُطارد خلفه الجبايات بل شريك تُشد به الأزمات وتُبنى به الأوطان.

أدركت الوزارة مبكراً أن موت السوق يعني موت الولاية بأكملها. فلا مرتبات بلا حركة بيع وشراء ولا إيراد بلا تجارة نشطة ولا استقرار بلا رغيف ودواء في متناول الناس. لذلك لم تكن مهمة إحياء السوق مجرد إجراء اقتصادي بل كانت معركة بقاء. مدت الوزارة يدها إلى التجار لا لتأخذ منهم بل لتمنحهم. لا لتحاسبهم بل لتبث فيهم الطمأنينة.

أول خطوة كانت كسر الحاجز النفسي بين التاجر ومؤسسات الدولة. صدرت حزمة من الإعفاءات والتسهيلات التي لم تكن منّة من أحد بل اعترافاً واضحاً بالشراكة. أُعفي المتضررون من رسوم التراخيص والضرائب والعوائد لسنة كاملة وأُجلت الديون القديمة دون غرامات وأُلغيت إيجارات المحال التابعة للحكومة في أشهر التعافي الأولى. تغيرت اللغة من لغة التحصيل إلى لغة الدعم فعادت الثقة. التاجر الذي كان يتحاشى لقاء الموظف صار يقصده ليستشيره. الجفوة تحولت إلى شراكة والخوف صار أماناً.

المال هو شريان التجارة والحرب قطعت هذا الشريان. فقد كثير من التجار بضائعهم ومدخراتهم بين نزوح ونهب وحريق. فتدخلت الوزارة عبر صندوق لتمويل التجار المتضررين بالشراكة مع بنك الادخار وبنك النيلين. لم تضخ الوزارة أموالاً مباشرة بل قدمت ضمانات سيادية وتحملت جزءاً من تكلفة التمويل الأصغر. وكانت الحصيلة أن عاد آلاف التجار والباعة إلى مواقعهم بفضل قروض ميسرة وإجراءات مختصرة. هذه القروض الصغيرة صنعت فرقاً لم تصنعه المعونات الكبرى لأنها لم تطعم أسرة ليوم واحد بل أعادت صاحبها إلى الإنتاج ليطعم نفسه وأهله بكرامة ويحرك عجلة الاقتصاد من جديد.

السوق لا يعيش بلا بضاعة والبضاعة لا تصل بلا طريق آمن. لذا كان فتح شرايين الإمداد وتسهيل حركة الشاحنات بين محليات الولاية والولايات الآمنة في صدارة الأولويات. خفضت الوزارة رسوم العبور على الشاحنات التي تنقل السلع الأساسية ونسقت مع الجهات الأمنية لتأمين الطرق. كما أعيد تشغيل أسواق المحاصيل في المناقل والحصاحيصا والكاملين حتى تتدفق المنتجات من الحقول إلى البيوت دون وسطاء يستغلون الحاجة. بهذا التدخل انكسر الاحتكار وتراجعت سطوة المضاربين. حين تتوفر السلع تستقر الأسعار ويطمئن التاجر ويطمئن المواطن وترجع الثقة بأن السوق لن يخون أهله.

ولم تتوقف الوزارة عند الدعم المالي. عملت على استعادة رمزية السوق وهيبته. مولت حملات إزالة الأنقاض والنظافة وأعادت طلاء الواجهات ونظمت الأسواق العشوائية وأدخلت الإنارة والكاميرات لتعزيز الأمن. الرسالة كانت واضحة: عودة السوق تعني عودة الدولة وهيبتها. كل متجر فُتح من جديد هو إعلان انتصار على الخراب.

الآن حين تعبر سوق مدني تسمع الحياة. ترى الزحام وتسمع نداءات الباعة وتشم عبق البن والبهارات. هذا الصخب هو لحن التعافي الحقيقي. خلفه تقف رؤية مالية آمنت أن التاجر ليس مجرد ممول للخزينة بل شريك في البناء. وأن السوق المزدهر هو أقوى خطاب تقوله الدولة لشعبها ولخصومها: نحن هنا باقون وننهض.

مالية الجزيرة لم تُرجع للتجار محلاتهم فقط بل ردت إليهم كرامتهم وأعادت للولاية دماءها التي توقفت. أثبتت أن الاقتصاد لا يُبنى بالقرارات الفوقية وحدها بل يُبنى بالثقة من القاعدة. وحين تلتقي يد التاجر بيد الدولة يصبح السوق وطناً صغيراً وتعود الخزينة لتكون بيت مال لكل الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى