
لطالما عانت وزارة الصناعة والتجارة في السودان من ما يمكن تسميته في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ “اختلال الوظيفة السيادية”. تحولت الوزارة من جهازٍ منظمٍ للسوق وحامٍ للإنتاج الوطني إلى جهازٍ إجرائي يقتصر دوره على ختم التصاديق وتمرير المعاملات، بينما انتقل مركز القرار الفعلي إلى شبكات غير رسمية من الوسطاء والسماسرة وتجار الشنطة.
أفرز هذا الاختلال ثلاث ظواهر اقتصادية خطيرة، فوضى الاستيراد وإغراق السوق عبر استيراد سلع كمالية ومنتجات لها بديل محلي مباشر كالمنتجات الجلدية والأحذية والصابون، مما أدى إلى تدمير القاعدة الصناعية في مناطق مثل الباقير وبحري. وهدر الموارد عبر الاقتصاد الريعي من خلال توزيع الحصص والتصاديق والإعفاءات الجمركية على أساس المحاباة لا على أساس الجدوى الاقتصادية، مما حول الموارد العامة إلى ريع خاص. ثم طرد الاستثمار الصناعي الوطني عبر وضع المصنع الوطني والتاجر الملتزم أمام حواجز بيروقراطية بينما تمتع الاقتصاد غير الرسمي بحرية الحركة.
يمكن تلخيص مقاربة وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب في ثلاثة محاور إصلاحية متكاملة. أولها استعادة الصلاحيات السيادية، حيث قامت الوزيرة بإغلاق ما يسمى بالباب الخلفي أي القنوات غير الرسمية لصناعة القرار، وإعادة تفعيل الدور التنظيمي للوزارة وفق مبدأ أن الدولة هي من يحدد أولويات الاستيراد والتصنيع، استناداً إلى حاجة السوق وقدرة الإنتاج المحلي، وليس وفق مصالح الوسطاء.
وثانيها الانتقال من جباية الرسوم إلى حماية الإنتاج، فجوهر الإصلاح هو تحويل التعريفة الجمركية من أداة جباية مالية إلى أداة حماية اقتصادية. فبدلاً من السماح باستيراد كل شيء لتحصيل رسومه، تم تبني مبدأ الحمائية الرشيدة، منع استيراد ما يمكن إنتاجه محلياً بجودة مقبولة، لحماية الوظائف وسلاسل القيمة المحلية. وهذا ما عبرت عنه بعبارة لن نستورد حذاءً يُصنع في الجزيرة.
وثالثها إعادة الاعتبار للمؤسسية والمهنية، وتمثل ذلك في استبدال سلطة الوسيط بسلطة الموظف المهني، أي إعادة القرار للهيكل الوظيفي الرسمي المؤهل فنياً، بدلاً من تركه بيد شبكات المصالح.
ما يحدث في الوزارة يمكن توصيفه أكاديمياً بأنه ثورة هادئة في الحوكمة الاقتصادية تهدف إلى الانتقال بالدولة من دور المتفرج على إغراق السوق إلى دور الحارس الأمين للموارد. إن الصراع الدائر اليوم بين الوزارة وبعض شبكات السماسرة هو صراع طبيعي ومتوقع في كل عملية إصلاح. فاستعادة الدولة لصلاحياتها تعني بالضرورة نهاية صلاحيات الاقتصاد الموازي الذي نما في ظل ضعفها. وهي معركة بين مفهومين، مفهوم يرى موارد السودان سلعةً تباع في أزقة الوزارة، ومفهوم ترسخه محاسن يرى أن موارد السودان يجب أن تكون للسودانيين، ومصانعه لأبنائه.



