الاقتصادية

مصنع أفيال للزيوت يعود للإنتاج.. عبد الوهاب عبد الرازق يقود رهان الصناعة على التعافي في الجزيرة

تقرير : معاوية السقا | المحور نيوز – ولاية الجزيرة

ليست عودة مصنع أفيال للزيوت بمدينة ود مدني مجرد استئناف لنشاط صناعي توقف بفعل الحرب، ولا مجرد عودة لماكينات إلى الدوران بعد فترة من الغياب؛ إنها واحدة من الإشارات المهمة على أن ولاية الجزيرة بدأت تستعيد شيئاً من شخصيتها الإنتاجية، وأن إرادة الاستثمار الوطني لا تزال قادرة على مواجهة الخراب، متى توافرت العزيمة والإصرار.

وفي قلب هذه التجربة يبرز اسم الأستاذ عبد الوهاب عبد الرازق، مالك مصنع أفيال للزيوت والأمين العام لغرف الصناعات بولاية الجزيرة، الذي اختار أن يخوض معركة إعادة البناء، واضعاً استعادة النشاط الصناعي أمام اختبار عملي يتجاوز حدود التصريحات والتعهدات.

إن أهمية عودة أفيال لا تنبع من كونها عودة مصنع إلى الإنتاج فحسب، وإنما من طبيعة النشاط الذي يمثله، ومن موقعه داخل منظومة اقتصادية ترتبط فيها الزراعة بالصناعة، والإنتاج بالتجارة، وفرص العمل باستقرار الأسر والأسواق.

أفيال.. عودة تتجاوز أسوار المصنع

قبل الحرب، كان مصنع أفيال أحد الأسماء المعروفة في مجال صناعة الزيوت بمدينة ود مدني، بخطوط إنتاجه ومنتجاته التي وجدت طريقها إلى الأسواق المحلية وامتدت إلى عدد من الولايات.
ولم يكن المصنع مجرد منشأة تجارية تسعى إلى تحقيق عائد استثماري، بل كان جزءاً من دورة اقتصادية أوسع، توفر فرص العمل، وتحرك أنشطة النقل والتوزيع والتجارة، وتدعم حضور المنتج المحلي في مواجهة المنتجات الوافدة.
كما امتد دوره إلى جوانب المسؤولية المجتمعية، من خلال الإسهام في دعم بعض المبادرات التعليمية والصحية والخيرية، وهو ما جعل حضوره مرتبطاً بالمجتمع المحيط به، وليس بالسوق وحده.
ومن هنا، فإن عودته تحمل قيمة اقتصادية واجتماعية في آن واحد؛ فالمصنع الذي يستعيد نشاطه لا يستعيد إنتاجه فقط، بل يعيد تحريك شبكة من المصالح والأنشطة التي تتأثر بوجوده أو غيابه.

عبد الوهاب عبد الرازق.. إرادة الاستثمار في مواجهة آثار الحرب

إن إعادة تشغيل المصانع في الظروف التي عاشها السودان ليست مهمة سهلة، ولا قراراً إدارياً يمكن اتخاذه بمعزل عن تعقيدات الواقع الاقتصادي.
فالحرب ألحقت أضراراً واسعة بالبنية الصناعية، وأربكت سلاسل الإمداد، ورفعت تكاليف التشغيل، ووضعت المستثمرين أمام تحديات تتعلق بتوفير التمويل والطاقة ومدخلات الإنتاج والعمالة والأسواق.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح العودة إلى الإنتاج اختباراً حقيقياً لإرادة المستثمر وقدرته على إدارة المخاطر، وإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن الحلول الممكنة وسط واقع بالغ التعقيد.
وتكتسب تجربة عبد الوهاب عبد الرازق أهمية إضافية بالنظر إلى موقعه أميناً عاماً لغرف الصناعات بولاية الجزيرة؛ إذ إن مسؤوليته لا تتوقف عند حدود منشأته الخاصة، وإنما تمتد إلى قضايا القطاع الصناعي عموماً، وما يتطلبه من تنسيق وتواصل ومبادرات لإعادة المصانع المتوقفة إلى دائرة الإنتاج.
وهنا تبرز قيمة التجربة في بعدها المؤسسي؛ فنجاح المستثمر في استعادة مصنعه يمكن أن يتحول إلى رسالة تشجيع لبقية أصحاب المنشآت، ودافع لإعادة الثقة في إمكانية النهوض بالقطاع الصناعي.

صناعة الزيوت.. حلقة استراتيجية في اقتصاد الجزيرة

تتمتع ولاية الجزيرة بمقومات زراعية تجعلها من أكثر الولايات السودانية تأهيلاً لاحتضان الصناعات التحويلية والغذائية.
وتأتي صناعة الزيوت في مقدمة الأنشطة التي يمكن أن تحقق تكاملاً حقيقياً بين الزراعة والصناعة، من خلال تحويل المحاصيل الزيتية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، بدلاً من الاكتفاء بتداول المواد الخام.
فكل مصنع للزيوت يمثل حلقة في سلسلة اقتصادية تبدأ من المزارع، ولا تنتهي عند المستهلك. وبينهما تتحرك عمليات النقل والتخزين والتصنيع والتعبئة والتوزيع، وتتشكل فرص العمل والدخل والنشاط التجاري.
كما أن تعزيز الإنتاج المحلي من الزيوت النباتية يمكن أن يسهم في تقليل الاعتماد على الواردات، وتوسيع الخيارات أمام المستهلك، وتحسين قدرة السوق على مواجهة اضطرابات الإمداد الخارجي.

الغرف الصناعية.. من تمثيل المطالب إلى صناعة الحلول

تواجه الغرف الصناعية في ولاية الجزيرة مسؤولية كبيرة خلال مرحلة إعادة الإعمار، تتجاوز دورها التقليدي في تمثيل أصحاب المصانع ونقل مطالبهم إلى الجهات المختصة.
فالمرحلة الحالية تتطلب قيادة صناعية قادرة على بناء رؤية مشتركة، وتحديد أولويات إعادة التشغيل، والتنسيق مع حكومة الولاية والجهات المصرفية والاتحادية، والعمل على معالجة العقبات التي تحول دون عودة المنشآت إلى نشاطها الطبيعي.
وقد شهد ملف الصناعة بالجزيرة تحركات حكومية ومؤسسية متصلة بإعادة تشغيل المصانع ومعالجة مشكلات التمويل والكهرباء والوقود، إلى جانب التوجه نحو إنشاء مدن صناعية متخصصة وتعزيز الصناعات التحويلية.
كما أعلن رئيس الغرفة الصناعية بولاية الجزيرة، عبد الوهاب عبد الرازق، أن جهود الغرفة تتركز على استعادة المصانع المتوقفة وإعادة تشغيلها وتفعيل الشراكات، بما يدعم النشاط الصناعي والتنمية الاقتصادية بالولاية.

التحديات التي تواجه استدامة الإنتاج

ومع أهمية عودة أفيال، فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بلحظة إعادة التشغيل، وإنما بقدرة المصنع على الاستمرار والمحافظة على انتظام الإنتاج.
فالمصانع تحتاج إلى كهرباء مستقرة، وإمدادات منتظمة من الوقود، وتمويل ميسر، ومدخلات إنتاج متاحة، وبيئة استثمارية لا تثقل كاهل المنتج بالرسوم والإجراءات والتكاليف المتزايدة.
وتظل مشكلة الطاقة من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصناعي في الجزيرة، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل وصعوبة توفير بعض المواد الخام وقطع الغيار.

ما بعد أفيال.. الجزيرة أمام فرصة لإعادة بناء اقتصادها

إن عودة مصنع أفيال ينبغي أن تكون جزءاً من رؤية أوسع لإعادة بناء القطاع الصناعي بولاية الجزيرة، لا مجرد قصة نجاح منفصلة عن محيطها.
فالجزيرة التي تمتلك قاعدة زراعية واسعة، وموارد بشرية وخبرات صناعية متراكمة، تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على إنتاج المواد الخام إلى اقتصاد يستثمر في تحويلها وتصنيعها وتسويقها.
وهذا التحول يتطلب تشجيع الاستثمار في الصناعات الغذائية والزيوت والنسيج والصناعات التحويلية، وتطوير البنية التحتية للمناطق الصناعية، وتوسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

حين يصبح الإنتاج عنواناً للتعافي

إن عودة مصنع أفيال للزيوت إلى دائرة الإنتاج تمثل خطوة تستحق التقدير، ليس فقط لما تضيفه إلى السوق من منتجات محلية، وإنما لما تحمله من دلالات تتعلق بإرادة الاستثمار وقدرة الصناعة السودانية على استعادة عافيتها.
ويستحق عبد الوهاب عبد الرازق أن تُقرأ جهوده في سياق هذه المعركة الاقتصادية، بوصفه مستثمراً اختار العودة إلى الإنتاج، وقيادياً صناعياً تقع على عاتقه مسؤولية الإسهام في استعادة القطاع بأكمله.
لكن الرهان الأكبر يظل في أن تتحول هذه العودة إلى بداية لمسار أوسع، تعود عبره المصانع إلى العمل، وتُستعاد الوظائف، وتنتظم سلاسل الإنتاج، وتستعيد الجزيرة موقعها كواحدة من أهم القواعد الزراعية والصناعية في السودان.
فالجزيرة لا تحتاج إلى استعادة ما كان فحسب، بل تحتاج إلى صناعة مستقبل أكثر قوة؛ مستقبل تكون فيه المصانع شريكاً في التنمية، والإنتاج عنواناً للتعافي، والاستثمار الوطني ركيزة للنهوض الاقتصادي.

*المحور نيوز | أنت في قلب الحدث*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى