
تدخل ولاية الجزيرة مرحلة مفصلية في مسار التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، وسط تحديات كبيرة فرضتها الحرب على المؤسسات الحكومية والقطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية. وفي خضم هذه التحولات، تبرز وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة باعتبارها إحدى أهم المؤسسات المعنية بقيادة جهود استعادة النشاط الاقتصادي وإدارة الموارد وتوجيه الإنفاق نحو أولويات التنمية.
وتتجه الأنظار إلى الدور الذي تضطلع به الوزارة بقيادة الأستاذ عاطف محمد إبراهيم أبو شوك، في ظل الحاجة إلى رؤية مالية تتجاوز تسيير المؤسسات الحكومية، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على تعظيم الإيرادات، وتحفيز الإنتاج، وإعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الثقة في المؤسسات الاقتصادية.
عاطف أبو شوك.. إدارة الموارد في زمن التحديات
لا تبدو مهمة وزارة المالية في المرحلة الراهنة تقليدية، فالتحدي لا يتعلق فقط بتوفير الأموال اللازمة لتسيير العمل الحكومي، وإنما بكيفية إدارة موارد محدودة أمام احتياجات متزايدة، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى مشروعات تنموية ذات أثر مباشر.
وتقوم معادلة التعافي الاقتصادي على ثلاثة مسارات رئيسية: إصلاح منظومة الإيرادات، وترشيد الإنفاق العام، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الرؤية التي يتبناها عاطف أبو شوك في تعظيم الموارد الذاتية للولاية، باعتبارها مدخلاً لتقليل فجوة التمويل وتوسيع قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها، دون انتظار الحلول الخارجية وحدها.
الموازنة العامة.. من الأرقام إلى مشروعات على الأرض
تمثل موازنة ولاية الجزيرة لعام 2026 إحدى الأدوات الأساسية لترجمة التوجهات الاقتصادية إلى برامج تنفيذية، خصوصاً في ظل الحاجة إلى إعادة تأهيل المؤسسات والمرافق العامة وتحريك القطاعات المتضررة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إعلان المخصصات المالية، بل في كفاءة توظيفها، ومدى ارتباطها بأولويات المواطنين.
فالإنفاق التنموي ينبغي أن ينعكس على تحسين خدمات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والطرق، إلى جانب توفير البيئة المناسبة لعودة المصانع والمشروعات الزراعية والأسواق إلى نشاطها الطبيعي.
ومن هنا، فإن نجاح وزارة المالية يرتبط بقدرتها على تحقيق التوازن بين الالتزامات الحكومية العاجلة والاستثمارات التنموية طويلة الأجل.
إيصالي.. التحول الرقمي وإصلاح منظومة الإيرادات
يمثل نظام التحصيل الإلكتروني «إيصالي» أحد الملفات المهمة في مسار تطوير الإدارة المالية بالولاية.
فالانتقال من التحصيل التقليدي إلى الأنظمة الإلكترونية يتيح فرصاً أكبر لضبط الإيرادات، وتحسين الرقابة، وتقليل التعاملات النقدية، وتوفير بيانات أكثر دقة عن الموارد الحكومية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن إصلاح المالية العامة يبدأ من معرفة الإيرادات الفعلية، وإحكام السيطرة على مساراتها، وضمان توجيهها وفق أولويات واضحة.
لكن نجاح التحول الرقمي لا يتوقف عند تطبيق النظام، بل يحتاج إلى استمرارية فنية، وتدريب العاملين، وتوسيع نطاق الاستخدام، وربط التحصيل بتحسين الخدمات العامة.
إعادة الإعمار.. مسؤولية تتجاوز ترميم المباني
تحتاج ولاية الجزيرة إلى مشروع متكامل لإعادة الإعمار، لا يقتصر على إصلاح المنشآت المتضررة، وإنما يمتد إلى استعادة المؤسسات وقدرتها على تقديم الخدمات.
وهنا يظهر الدور المحوري لوزارة المالية في توفير التمويل اللازم لإعادة تشغيل المرافق الصحية والتعليمية والخدمية، ومعالجة الالتزامات المالية، ودعم استقرار العاملين بالمؤسسات الحكومية.
فإعادة تشغيل المستشفيات، وتأهيل المدارس، واستعادة خدمات المياه والكهرباء، جميعها ملفات تحتاج إلى تخطيط مالي دقيق وتنسيق بين مؤسسات الولاية.
كما أن معالجة مستحقات العاملين والمعاشيين تمثل جانباً مهماً من جوانب الاستقرار المؤسسي، لأن التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق دون استعادة كفاءة الجهاز الحكومي.
الصناعة والزراعة.. مفتاح استعادة قوة الجزيرة الاقتصادية
تمتلك ولاية الجزيرة مقومات اقتصادية تجعلها مؤهلة للعب دور محوري في التعافي الوطني، وفي مقدمتها الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية والأنشطة التجارية والصناعات التحويلية.
لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد منتج.
وتبرز هنا أهمية دعم المصانع وإعادة تشغيل المنشآت الصناعية، وتسهيل الاستثمار، وتوفير التمويل للمشروعات الإنتاجية، وربط الزراعة بالصناعات التحويلية والأسواق.
كما أن إعادة تشغيل المصانع لا تعني توفير فرص عمل فحسب، بل تسهم في زيادة المعروض من السلع، وتحريك التجارة، وتوسيع القاعدة الإيرادية للولاية.
وتحتاج هذه الرؤية إلى شراكة حقيقية بين وزارة المالية ووزارة الصناعة والجهات الاستثمارية والقطاع الخاص، حتى تتحول الإمكانات الاقتصادية إلى مشروعات منتجة ومستدامة.
التنمية المتوازنة.. هل تصل ثمار الإعمار إلى جميع المحليات؟
من القضايا المهمة التي ينبغي أن تحظى باهتمام وزارة المالية ضمان التوزيع العادل للموارد والمشروعات بين محليات ولاية الجزيرة.
فالتنمية لا ينبغي أن تتركز في مدينة ود مدني وحدها، وإنما يجب أن تمتد إلى المناقل والحصاحيصا ورفاعة وشرق الجزيرة وبقية المناطق، وفقاً لحجم الاحتياجات والأولويات.
كما أن المناطق الزراعية والريفية تحتاج إلى اهتمام خاص بالخدمات الأساسية والطرق ومصادر المياه، باعتبارها جزءاً أصيلاً من القاعدة الإنتاجية للولاية.
ويظل نشر بيانات المشروعات ومخصصاتها ونسب تنفيذها من أهم وسائل تعزيز الشفافية وقياس أثر الإنفاق العام.
عاطف أبو شوك.. اختبار الرؤية يبدأ من النتائج
إن الرؤية المالية التي تقوم على تعظيم الموارد الذاتية وتطوير التحصيل وتوجيه الإنفاق نحو التنمية تمثل إطاراً مهماً للتعامل مع تحديات المرحلة.
لكن الاختبار الحقيقي أمام وزارة المالية يتمثل في تحويل هذه التوجهات إلى نتائج يمكن قياسها، من خلال حجم المشروعات المكتملة، وتحسن الخدمات، وانتظام الالتزامات المالية، وعودة النشاط الإنتاجي.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب إعداد برامج متوسطة وطويلة الأجل، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص والمصارف، والعمل على استقطاب التمويل التنموي، مع تعزيز الرقابة والمساءلة.
الجزيرة.. من اقتصاد ما بعد الحرب إلى أفق التنمية
إن ولاية الجزيرة لا تحتاج فقط إلى استعادة ما فقدته خلال الحرب، بل تحتاج إلى استثمار مرحلة إعادة الإعمار في بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والاستمرار.
وتظل وزارة المالية في قلب هذه المعادلة، باعتبارها المؤسسة المسؤولة عن إدارة الموارد وتوجيه الإنفاق وتمويل الأولويات.
أما رؤية عاطف أبو شوك، فتواجه استحقاقاً أساسياً يتمثل في الانتقال من الخطط المالية إلى نتائج ملموسة، تجعل المواطن شريكاً في ثمار التعافي، وتعيد للجزيرة دورها الاقتصادي والإنتاجي.
فإعادة الإعمار ليست مجرد مبانٍ يجري ترميمها، وإنما اقتصاد يستعيد عافيته، ومؤسسات تستعيد كفاءتها، ومواطن يشعر بأن التنمية وصلت إلى حياته اليومية.
فاطمة حافظ
المحور نيوز انت في قلب الحدث



