
تقرير تحليلي | المحور نيوز
تمتلك ولاية الجزيرة من المقومات الاقتصادية ما يؤهلها لتكون إحدى أهم بوابات التعافي الصناعي في السودان. فموقعها الجغرافي، وارتباطها بالمشروعات الزراعية الكبرى، وتاريخها الطويل في الإنتاج والتصنيع، كلها عوامل تمنحها فرصة حقيقية لاستعادة دورها في الاقتصاد الوطني.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الجزيرة تمتلك مقومات النهوض، وإنما قدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى مصانع تعمل بكفاءة، ومنتجات تصل إلى الأسواق، وفرص عمل تعيد الحياة إلى المجتمعات التي أنهكتها الحرب.
وبين منشآت بدأت تستعيد نشاطها، ومصانع تنتظر إعادة التأهيل، تقف الولاية أمام اختبار اقتصادي حقيقي؛ اختبار لا يتعلق بمجرد إعادة تشغيل خطوط الإنتاج، بل ببناء قاعدة صناعية قادرة على الاستمرار والمنافسة والمساهمة في إعادة تشكيل الاقتصاد السوداني.
من الزراعة إلى الصناعة.. هنا تكمن قوة الجزيرة
ظلت ولاية الجزيرة واحدة من أبرز ركائز الاقتصاد السوداني، مستندة إلى مشروع الجزيرة وما يوفره من قاعدة زراعية واسعة يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لصناعات غذائية وتحويلية متعددة.
فالقيمة الاقتصادية الحقيقية لا تكمن في إنتاج المحاصيل الزراعية وتسويقها في صورتها الخام فحسب، وإنما في تحويلها إلى منتجات مصنعة تحقق قيمة مضافة وتفتح مجالات أوسع للتشغيل والاستثمار.
فالقطن يمثل مدخلاً مهماً للصناعات النسيجية، والمحاصيل الزيتية توفر قاعدة لصناعة الزيوت، فيما يشكل قصب السكر أساساً لصناعة السكر والمنتجات المرتبطة به.
وهنا تتجلى الميزة الاقتصادية للجزيرة؛ إذ يمكن أن تنشأ دورة إنتاج متكاملة تبدأ من الحقل، وتمر بالمصنع، وتمتد إلى النقل والتوزيع والتجارة، وصولاً إلى الأسواق المحلية والخارجية.
عودة المصانع.. هل بدأت عجلة الإنتاج في الدوران؟
شهدت ولاية الجزيرة خلال الفترة الأخيرة تحركات رسمية تستهدف دعم القطاع الصناعي وإعادة المنشآت الإنتاجية إلى دائرة العمل.
وفي 15 أكتوبر 2026، تفقد والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير، برفقة وزير المالية والاقتصاد والقوى العاملة عاطف محمد إبراهيم أبو شوك ومفوض الاستثمار، عدداً من المصانع بمحلية مدني الكبرى.
وشملت الجولة مصنع سودا فوم للمنتجات البلاستيكية ومصنع ذات العماد للصناعات الحديدية، حيث استعرضت الجهات المعنية القدرات الإنتاجية والتحديات التي تواجه استقرار التشغيل.
ووفقاً للبيانات المنشورة، تبلغ الطاقة الإنتاجية المعلنة لمصنع سودا فوم ثلاثة آلاف لوح عازل حراري و1750 لوح فايبر يومياً، في مؤشر على أهمية المنشآت الصناعية التي يمكن أن تسهم في توفير احتياجات السوق المحلي.
كما برز مصنع هابست لإنتاج التقاوي، الذي أُشير إلى أن طاقته الإنتاجية تبلغ نحو عشرة أطنان في الساعة، وهو ما يعكس أهمية الصناعات المرتبطة بالقطاع الزراعي ودورها في دعم الإنتاج وتحسين مدخلاته.
لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، تطرح سؤالاً أكثر جوهرية: كم تبلغ نسبة التشغيل الفعلي؟ وهل تستطيع هذه المصانع المحافظة على إنتاج منتظم، وتحويل طاقاتها المعلنة إلى منتجات وفرص عمل حقيقية؟
مصنع سكر الجنيد.. عودة تتجاوز حدود الإنتاج
يمثل مصنع سكر الجنيد أحد الملفات الاستراتيجية في مستقبل الصناعة بولاية الجزيرة، ليس فقط باعتباره منشأة لإنتاج سلعة أساسية، وإنما لارتباطه بمنظومة اقتصادية تشمل الزراعة والمزارعين والعمال والنقل والتجارة والخدمات.
وفي 27 أكتوبر 2026، بحثت وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب مع والي الجزيرة سبل إعادة تشغيل المصنع، مع التركيز على استكمال مطلوبات تشغيل البيارة الرئيسية ومعالجة التحديات المرتبطة بالمشروع.
كما طُرحت مشكلات الكهرباء في المدن الصناعية باعتبارها واحدة من العقبات التي تعترض استئناف النشاط الإنتاجي.
إن عودة مصنع سكر الجنيد يمكن أن تمثل دفعة مهمة للاقتصاد المحلي، لما يترتب عليها من تحريك للأنشطة الزراعية والتجارية وتوفير فرص العمل، فضلاً عن المساهمة في تعزيز الإنتاج المحلي.
غير أن تحقيق هذه المكاسب يظل مرهوناً بمعالجة العقبات الفنية والتمويلية وضمان استقرار التشغيل.
الكهرباء والوقود والتمويل.. ثلاثية تهدد التعافي الصناعي
رغم المؤشرات الإيجابية، فإن عودة بعض المصانع إلى العمل لا تعني بالضرورة تجاوز الأزمة الصناعية.
فالمصنع لا يحتاج إلى مبانٍ ومعدات فقط، وإنما إلى كهرباء مستقرة، ووقود متاح، ومواد خام، وقطع غيار، وعمالة مؤهلة، ورأس مال تشغيلي يضمن استمرار الإنتاج.
وقد برزت مشكلات الكهرباء والوقود ضمن التحديات التي طرحها أصحاب المصانع خلال الجولة الرسمية بالمناطق الصناعية في مدني.
كما أن ارتفاع تكلفة المدخلات وصعوبة الحصول على التمويل قد يحولان دون وصول بعض المنشآت إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة، حتى بعد إعادة تأهيلها.
ومن هنا، فإن التحدي أمام حكومة الولاية لا يتمثل في الإعلان عن عودة المصانع أو تنظيم الزيارات الميدانية، بل في توفير بيئة إنتاج مستقرة تضمن استمرار المصانع في العمل، وتمنح المستثمرين الثقة في جدوى التوسع الصناعي.
عاطف أبو شوك والاستثمار.. المطلوب تحويل التسهيلات إلى إنتاج
لا يمكن الحديث عن نهضة صناعية في ولاية الجزيرة بمعزل عن السياسات المالية والاستثمارية، ومدى قدرتها على توفير التمويل وتهيئة المناخ أمام المشروعات الإنتاجية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة بالولاية، بقيادة عاطف محمد إبراهيم أبو شوك، في دعم البيئة الاستثمارية وتشجيع المشروعات الإنتاجية وتطوير سلاسل القيمة المضافة.
وتشير التصريحات الرسمية المنشورة إلى توجه نحو تسهيل إجراءات الاستثمار، والاستفادة من أدوات تشمل المنصة الاستثمارية والخارطة الاستثمارية ومحافظ التمويل.
لكن نجاح هذه التوجهات لن يُقاس بعدد التصديقات أو حجم الوعود، وإنما بقدرتها على تحويل الفرص الاستثمارية إلى مصانع منتجة، ووظائف مستقرة، وزيادة في المعروض من السلع والإيرادات.
فالاستثمار الصناعي يحتاج إلى أكثر من الإجراءات الإدارية؛ يحتاج إلى حماية الأصول، واستقرار الخدمات، وتوافر الطاقة والتمويل، ووجود أسواق قادرة على استيعاب الإنتاج.
هل تستطيع الجزيرة قيادة النهضة الصناعية؟
الإجابة لا ترتبط بقدرة الولاية على إعادة تشغيل عدد من المصانع فحسب، وإنما بمدى امتلاكها رؤية صناعية متكاملة تعالج جذور الأزمة.
وهناك ثلاثة مسارات تبدو ضرورية لتحقيق ذلك:
أولها، إعادة تأهيل المصانع المتضررة وفق أولويات اقتصادية واضحة، تراعي حجم الطلب على منتجاتها وقدرتها على توفير فرص العمل.
وثانيها، بناء علاقة إنتاجية مباشرة بين المصانع والقطاع الزراعي، بما يضمن تحويل الموارد المحلية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، ويحد من الاعتماد على استيراد السلع التي يمكن إنتاجها محلياً.
وثالثها، معالجة مشكلات الكهرباء والطرق والنقل والتمويل، ووضع آليات معلنة لمتابعة المصانع التي تستأنف نشاطها، وقياس حجم إنتاجها الفعلي ومساهمتها في الاقتصاد.
كما أن توزيع الفرص الصناعية على مختلف محليات الولاية يمكن أن يوسع قاعدة النشاط الاقتصادي، ويمنح المجتمعات المحلية فرصاً أكبر للاستفادة من مواردها وإمكاناتها.
الخلاصة.. الجزيرة أمام فرصة تاريخية
إن استعادة ولاية الجزيرة لمكانتها الصناعية ليست مهمة مستحيلة، لكنها لن تتحقق بمجرد عودة بعض المصانع إلى العمل، أو صدور قرارات وتوجيهات بشأن الاستثمار.
فالنهضة الصناعية تحتاج إلى رؤية تربط الزراعة بالصناعة، وتمنح القطاع الخاص دوراً فاعلاً، وتوفر التمويل والطاقة، وتجعل الإنتاج والتشغيل في صدارة الأولويات.
والمؤشرات الحالية تمثل بداية يمكن البناء عليها، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية في شكل مصانع مستقرة، وإنتاج متواصل، وفرص عمل حقيقية.
فالجزيرة لا تحتاج فقط إلى مصانع تفتح أبوابها، بل إلى صناعة تستمر وتنتج وتنافس.
وتبقى القضية الأهم: هل تتحول عودة المصانع إلى بداية نهضة صناعية شاملة، أم تظل مجرد محاولات متفرقة في اقتصاد ينتظر التعافي؟
معاوية السقا المحور نيوز | أنت في قلب الحدث



