
▪️لسنواتٍ طويلة، لم تكن وزارة الصناعة والتجارة وزارةً بالمعنى السيادي للكلمة، بل كانت صالة انتظار كبيرة، ومرتعاً مفتوحاً للسماسرة والورّاقين وتجار الشنطة.
▪️كانت موارد البلاد تُباع في أزقتها، وتُختم صفقاتها على أرصفتها. يُستورد ما لا نحتاج، ويُمنع ما نحتاج، ويُغرق السوق بسلعٍ تُصنع في الجزيرة لو وجدت من يحميها. كانت الوزارة بلا أنياب، بلا صلاحيات، مجرد واجهةٍ يمر عبرها الورق، بينما القرار الحقيقي يُصنع في مكانٍ آخر، في مكاتب السماسرة الذين احترفوا المتاجرة بقوت الشعب.
▪️ضاعت موارد البلاد بين تصاديق مجاملة، وإعفاءات مشبوهة، وحصصٍ توزع لمن لا يستحق. كان التاجر الشريف يبكي على بابها، والمصنع الوطني يموت ببطءٍ على عتبتها، ولا أحد يسمع.
▪️حتى جاءت المرأة الفولاذية.
جاءت محاسن علي يعقوب لا تحمل حقيبة ملابس، بل تحمل ملفاتٍ ثقيلة. أول ما فعلته أنها أغلقت الباب الخلفي الذي كان يدخل منه السماسرة. وأعادت للوزارة ما سُلب منها من صلاحيات. لأول مرة منذ سنوات، تعود الوزارة لتقول: أنا من يقرر ماذا نستورد وماذا نُصنّع، أنا من يحمي المنتج المحلي، أنا من يضع تعريفة الحماية لا تعريفة الجباية.
▪️لقد وأدت طموح السماسرة حين أعادت الاعتبار للموظف المهني لا الوسيط، وحين رفضت أن تكون مجرد ختمٍ على ورقة استيرادٍ قادمةٍ من وراء البحار تقتل مصنعاً في الباقير أو بحري.
▪️كانت شجاعتها أنها وضعت يدها على الجرح الأكبر: فوضى الاستيراد. قالت بصوتٍ جهور: لن نستورد حذاءً يُصنع في الجزيرة، ولن نستورد صابوناً يُصنع في الخرطوم، ولن نسمح بإغراق السوق بسلعٍ تقتل عمالنا. هذه ليست حمائية عمياء، هذه هي أبجديات السيادة الاقتصادية.
▪️إن ما يحدث اليوم في وزارة الصناعة والتجارة هو ثورةٌ هادئة. ثورةٌ تعيد تعريف دور الدولة من متفرجٍ على نهب موارده إلى حارسٍ أمينٍ عليها. ولأول مرة، يشعر الصناعي الصغير أن هناك وزارةً تقف خلفه، لا سمساراً يقف ضده.
▪️لهذا يصرخ السماسرة اليوم. لهذا يطلقون سهامهم نحو محاسن. لأن عودة صلاحيات الوزارة تعني نهاية صلاحياتهم. ولأن إعادة هيبة الوزارة تعني نهاية زمن الفوضى الذي كانوا فيه هم الملوك.
▪️إن محاسن لا تدافع عن كرسي، بل تدافع عن فكرة.. فكرة أن تكون موارد السودان للسودانيين، وأن تكون مصانعه لأبنائه، وأن تكون وزارته دولةً لا سوقاً للوراقين.


