الاقتصادية

ريم يونس تكتب… وزارة الصناعة والتجارة ومعركة السيادة الوطنية

▪️لم تكن أزمة وزارة الصناعة والتجارة في السودان أزمة إدارة، بل أزمة وظيفة. تحليل مسار الوزارة في العشر سنوات الماضية يكشف أنها تخلت طوعاً عن أهم أدواتها السيادية، حق تحديد ماذا نستورد، وماذا نحمي، وماذا نصنّع. وبدلاً من ذلك، تحولت إلى جهاز خدمي يختم ما يقرره السماسرة في الخارج.

▪️النتيجة كانت واضحة بالأرقام والوقائع. مصنع صابون في الخرطوم يغلق لأن السوق أُغرق بصابون مستورد أرخص مدعوم في بلده. مدبغة في الجزيرة تتوقف لأن الأحذية المستوردة أرخص من تكلفة الجلد المحلي. موارد النقد الأجنبي الشحيحة تُهدر على سلع كمالية كان يمكن تصنيعها محلياً بتشغيل آلاف الشباب. هذا هو جوهر ما وجدته محاسن علي يعقوب حين دخلت الوزارة.

▪️تحليلنا يشير إلى أن الوزيرة لم تبدأ بزيادة الرسوم، بل بإعادة ترتيب السلطة. أول ما فعلته أنها أغلقت الباب الخلفي. فالوزارة كانت تدار من شباكين، شباك رسمي للموظف، وشباك خلفي للوسيط. محاسن أغلقت الشباك الخلفي. وهذا يفسر حالة الهيجان الحالية. فالسمسار لا يملك مصنعاً ولا وظيفة، رأس ماله الوحيد هو قدرته على الدخول من الباب الخلفي. حين أُغلق الباب، انتهى رأس المال.

▪️ثم حولت فلسفة التعريفة من جباية إلى حماية. الفلسفة السابقة كانت اسمح بدخول أي شيء ما دامت الدولة ستأخذ رسومه. فلسفة محاسن هي العكس، امنع دخول ما يقتل مصنعك حتى لو خسرت رسومه، لأن المصنع سيعطيك وظائف وضرائب وإنتاجاً أكبر على المدى الطويل. هذه هي أبجديات ما يسمى بالسيادة الاقتصادية.

▪️بعد ذلك ربطت الاستيراد بالإنتاج برسالة مباشرة للصناعيين: “لن نسمح باستيراد حذاء يُصنع في الجزيرة”. هذه ليست شعاراً عاطفياً، بل هي سياسة صناعية واضحة تسمى إحلال الواردات. وهي السياسة التي بنت بها تركيا ومصر وإثيوبيا صناعاتها.

▪️لماذا تُهاجم محاسن الآن؟ التحليل السياسي يقول كل إصلاح حقيقي يخلق أعداءً حقيقيين. عودة الوزارة لتقول أنا من يقرر تعني أن هناك جهات أخرى ستفقد حقها في أن تقرر. صراخ السماسرة اليوم ليس دليل فشل الإصلاح، بل هو دليل نجاحه. فلو كانت الوزارة لا تزال مرتعاً لهم، لما صرخوا.

▪️المعركة اليوم ليست بين محاسن وأشخاص، بل بين نموذجين للدولة، نموذج الدولة السوق حيث تباع موارد البلاد في أزقة الوزارة، ونموذج الدولة الحارسة حيث تكون موارد السودان للسودانيين. وهذا هو جوهر المعركة التي تخوضها المرأة الفولاذية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى