مقالات

معاوية السقا يكتب.. أمير يحيى هارون.. الرجل الذي أعاد للاستثمار نبضه في الجزيرة

كانت إدارة الاستثمار في ولاية الجزيرة اسماً بلا مسمى، لافتةً صدئة على جدارٍ قديم، ملفاتٌ متراكمة، وأوراقٌ صفراء، ومستثمرٌ يهرب قبل أن يدخل.

كان الاستثمار في الجزيرة – وهي سلة غذاء السودان وقلبه النابض – يموت ببطءٍ بين بيروقراطيةٍ قاتلة، وشباكٍ مغلقة، وموظفٍ يبتسم ليعتذر. كانت أخصب أرضٍ في الدنيا تطرد أبناءها، وتُغلق أبوابها في وجه رأس المال الوطني قبل الأجنبي.

حتى جاء أمير يحيى هارون.

لم يأتِ بمعجزة، بل جاء بمنطقٍ بسيطٍ نسيه الناس: أن الاستثمار احترامٌ قبل أن يكون ورقة، وأن المستثمر ضيفٌ يجب أن يُكرم لا أن يُبتز.

أول ما فعله أنه فتح الشبابيك المغلقة. كنّس الغبار عن الملفات، وأعاد ترتيب البيت من الداخل. لم تعد إدارة الاستثمار غرفةً للاعتذار، بل صارت قاعةً للترحيب. وضع خريطةً واضحة، ما للجزيرة وما عليها، أين نزرع، وأين نصنّع، وأين نبني.

أعاد أمير الروح حين أعاد الثقة. حين قال للمستثمر الصغير قبل الكبير: أرض الجزيرة ليست للبيع في المكاتب المغلقة، بل هي فرصةٌ لمن يزرعها ويصنّع خيرها. قطع الطريق على السماسرة الذين كانوا يبيعون الوهم، وأعاد القرار إلى مؤسسةٍ تحمي لا تبيع.

لقد فهم الرجل أن الجزيرة لا تحتاج مستثمراً ينهب خيرها ويهرب، بل تحتاج شريكاً يبني معها. فسهّل الإجراءات دون أن يفرّط في حق الولاية، وسرّع التصاديق دون أن يبيع التراب بثمنٍ بخس، ورافق المستثمر من أول توقيعٍ حتى أول حصادٍ أو أول خط إنتاج.

اليوم، من يمر بإدارة الاستثمار في الجزيرة، يرى وجوهاً مختلفة، ويسمع لغةً مختلفة. لغة الأرقام بدل لغة الأعذار، ولغة المشاريع بدل لغة الوعود.

إن ما فعله أمير يحيى هارون ليس إنجازاً إدارياً فحسب، بل هو إحياءٌ لفلسفة.. فلسفة أن الجزيرة قادرةٌ على أن تطعم السودان وتكسيه، لو وجدت من يؤمن بها، ويفتح لها باب الاستثمار لا باب السمسرة.

لقد أعاد للاستثمار روحه، حين أعاد للإدارة هيبتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى