
ليست كل المعارك تُخاض بالبندقية، بعضها يُخاض بسعر جوال السكر، وبعضها يُخاض بافتتاح مصنع، وبعضها يُخاض ببوابة حدودية تُفتح بعد أن أُغلقت لسنوات.
ومحاسن علي يعقوب، وزيرة الصناعة والتجارة، تخوض معركتها هناك، في تلك الجبهة الصامتة التي لا تحبها الكاميرات، جبهة معاش الناس.
أن تُستهدف وزيرة في هذا التوقيت، فهذا ليس نقداً، هذا ارتباك. فالنقد يطال القرار، أما الاستهداف فيطال الشخص ليُسقط القرار معه.
دعونا نقرأ ما فعلت السيدة بعيون الإنصاف لا بعيون السهام.
أولاً، *أعادت للصناعة معناها الوطني.* حين زارت مجمع القمة للتصنيع الغذائي بشندي، ذلك المجمع الذي يضم مصنعاً لتجفيف الخضر والفاكهة وآخر للنشاء والجلوكوز ومخازن مبردة بعشرة آلاف طن، لم تكن تزور مصنعاً، كانت تضع حجر أساس لفلسفة: أن تتحول الـ 30 ألف فدان من مشروع القمة من أرض تزرع وتُصدر خاماً، إلى أرض تزرع وتصنع وتُصدر قيمة مضافة. هذا هو إحلال الواردات الذي كتبناه شعارات لعشرين عاماً، وجاءت امرأة لتجعله آلة تدور.
ثانياً، *أعادت للتجارة بوصلتها الإقليمية.* حين جلست مع القائم بالأعمال الليبي الشارف هبلي، لم تكن تتحدث عن بروتوكول، كانت تتحدث عن حلم قديم: أن يطرق السودان بوابة المتوسط عبر ليبيا. منطقة حرة، تجارة حدود، طرق ومنافذ، صادرات سودانية تعبر الصحراء إلى أسواق البحر المتوسط. في زمن كانت فيه كل البوابات تُغلق، كانت هي تفتح بوابة. من يفهم الاقتصاد يعرف أن هذا ليس لقاءً عابراً، هذا إعادة رسم لخارطة التجارة الإقليمية.
ثالثاً، *نزلت إلى السوق.* وهذا هو الأهم. في لقائها مع رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس، لم تتحدث عن أوراق، تحدثت عن مراكز البيع المخفض. قالت بوضوح: اتفقنا مع المصانع لتغذية المراكز بكافة المنتجات بأسعار مخفضة. تابعت بنفسها مع والي الخرطوم واتحاد أصحاب العمل. في بلد يشتكي فيه الناس من السماسرة، قررت الوزيرة أن تدخل الدولة كمنافس شريف يبيع بسعر عادل.
ورابعاً، وهو ما لا يراه الكثيرون، *ذهبت إلى الداخليات.* زيارتها لمجمع الشهيد علي عبد الفتاح للطالبات ومدينة الزعيم الأزهري، وافتتاحها وحدة الإرشاد النفسي وتفقدها كاميرات المراقبة ووجبة الطالبات المجانية، يقول شيئاً واحداً: وزيرة صناعة تفهم أن الصناعة ليست ماكينة فقط، بل إنسان. وأن الطالبة التي تنام آمنة اليوم، هي المهندسة التي ستدير المصنع غداً.
هذه هي محاسن التي تُستهدف اليوم.
يُستهدف من يفكر في توطين الصناعة بدل استيرادها.
يُستهدف من يفكر في فتح أسواق جديدة بدل البكاء على أسواق قديمة.
يُستهدف من يفكر في البيع المخفض بدل ترك المواطن وحيداً في مواجهة الغلاء.
السهام التي تُطلق على محاسن علي يعقوب لا تصيب محاسن وحدها، تصيب فكرة أن تعمل امرأة في وزارة من أصعب الوزارات في زمن الحرب، وأن تنجح في أن تجعل المصانع تعود للإنتاج، والسلع تصل للمواطن، والصادرات تفكر في العبور نحو ليبيا.
لقد تعودنا في السودان أن نصفق للوزير الذي يجيد الكلام، ونستهدف الوزير الذي يجيد العمل. ومحاسن تنتمي للفئة الثانية، تلك التي تعمل بصمت، وتترك لمجمع القمة أن يتحدث، ولمراكز البيع المخفض أن تتحدث، ولبوابة ليبيا أن تتحدث.
ومن كان حديثه مصانعه وأسواقه وطلابه، فلا يضيره حديث السهام الطائشة.




