
▪️الحقوق ليست قائمة طعام نختار منها ما يناسب مصلحتنا”. جملة باتت تتردد بقوة على منصات التواصل، بعد موجة من المطالبات الفنية بالتعويض عن “انتهاك الملكية الفكرية”، يقابلها صمت مريب عن حفلات وسهرات تُغنى فيها أعمال غيرهم دون إذن أو مقابل. ازدواجية تكشف أن مبدأ احترام الإبداع عند البعض “موسمي”، يظهر بقوة عندما تُمس المصالح المادية، ويغيب عندما يتعلق الأمر بحقوق الآخرين.
▪️قبل أيام، أثارت الفنانة هدى عربي جدلاً واسعاً بعد إعلانها عزمها مقاضاة شركة “سوداني” للاتصالات، متهمةً إياها باستخدام إحدى أغانيها في إعلان تجاري دون الحصول على موافقتها أو تعويضها مادياً. خرجت هدى بتصريحات نارية تحدثت فيها عن “سرقة الجهد” و”انتهاك الحقوق الأدبية والمادية”، واعتبرت ما حدث سابقة خطيرة تستوجب وقفة قانونية صارمة. الموقف وقتها لقي تعاطفاً واسعاً، لأن جوهر القضية صحيح: أي استخدام تجاري لعمل فني دون ترخيص يُعد اعتداءً صريحاً على الملكية الفكرية التي كفلها القانون.
▪️لكن السؤال الذي طرحه كثيرون: أين كانت هذه الحماسة الحقوقية عندما تصعد هدى عربي نفسها على خشبة المسرح وتُحي حفلات بأغاني كبار الفنانين الراحلين والمعاصرين؟ كم مرة غنت “أغاني الحقيبة” و”أغاني العمالقة” في مناسبات عامة وخاصة تُدر عليها دخلاً، دون أن نسمع عن اتفاق مع ورثة الشاعر أو الملحن؟ كم مرة تحولت “الملكية الفكرية” من “حق مقدس” إلى “تفصيل صغير” لا يُذكر في كشوفات الحفلات؟
▪️هنا لا نتحدث عن تجريم الفنانة، فإحياء التراث جزء من دور الفنان. لكن نتحدث عن المعيار الواحد. لا يمكنك أن تطالب شركة بمئات الملايين لأنها استخدمت 30 ثانية من أغنيتك في إعلان، بينما تُؤدي أنت أغنية كاملة لشاعر وملحن آخر أمام آلاف الجماهير وتتقاضى المقابل كاملاً لنفسك.
▪️المشكلة ليست في هدى عربي وحدها. كثير من الفنانين يتحولون فجأة إلى “خبراء قانونيين” عندما يتعلق الأمر بأعمالهم، بينما يتعاملون مع أعمال غيرهم باعتبارها “تراثاً عاماً مباحاً”. وهذا فهم خاطئ. قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة واضح: الشاعر والملحن والمؤدي الأصلي لهم حقوق مادية وأدبية، حتى لو مرّت سنوات على العمل. الإذن والمقابل المادي ليس “كرماً” من المؤدي الجديد، بل التزاماً قانونياً وأخلاقياً.
▪️من يرفع شعار “احترام الملكية الفكرية” يجب أن يكون أول الملتزمين به. قبل أن تُصدر البيانات وتُهدد بالمحاكم وتطالب بالتعويضات، راجع دفاترك وحفلاتك. هل أخذت الإذن؟ هل دفعت الحقوق؟ هل وقّعت مع “المصنفات الأدبية والفنية”؟
▪️العدالة التي تُطبق في اتجاه واحد ليست عدالة، بل “مصلحة”. والفنان الذي يريد أن يُحترم إبداعه، عليه أن يحترم إبداع غيره أولاً. عندها فقط، سيكون لخطابه عن الحقوق وزن وقيمة، ولن يتحول إلى مجرد “رد فعل” وقت ما تُمس الجيوب.



