منوعات

معاوية السقا يكتب : قونة تظهر بملابسها الداخلية ..حين يصير الجسد نشازاً على المسرح

لم يعد المسرح ذلك المعراج الذي تصعد عليه الكلمة لتُلامس الروح، ولا تلك الخشبة التي كان يقف عليها الفنان فيتّشح بالهيبة قبل أن ينطق. لقد صار في بعض ليالينا قارعةً تُعرض فيها الأجساد كما تُعرض البضاعة، ويُقاس فيها النجاح بمساحة القماش التي تخلّت عن الجسد، لا بمساحة الصوت التي امتلأت بها القلوب.

يا لسخرية المشهد: فنانة تقف تحت الأضواء، فتخطف الأبصار لا بنبرةٍ تشقّ الوجدان، بل بخيطٍ من ثوبٍ أفلت ليُثير ضجيجاً أجوف. كأن الفنّ قد ضاق بمواهبه، فاستعاض عنها بما يسترعي غريزة اللحظة العابرة. لقد انقلبت المعادلة: كانت الملابس إطاراً يخدم اللوحة، فصارت اللوحة كلها إطاراً فارغاً لا يحوي إلا جسداً يبحث عن تصفيقٍ رخيص.

إن الفن السوداني، ذلك الذي ورثناه من حناجر النساء والرجال الذين كانوا يرتدون الوقار قبل أن يرتدوا العباءات، لم يكن يوماً بحاجة إلى تعرية ليُثبت حضوره. كان صوت وردي كافياً ليُعرّي دواخلنا من الصمت، وكانت كلمات سيد خليفة تستر عُري واقعنا بأثوابٍ من الجمال. فكيف ارتضينا أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ كيف صار مقياس النجاح هو “الترند” الذي يولد من صدمةٍ بصرية ويموت بانطفاء الشاشة؟

هذه ليست حرية، بل فوضى تتخفّى خلف قناع الإبداع. الحرية أن تختار أن تغني، لا أن تختار أن تتعرى لأنك لا تملك ما تغنيه. الإبداع أن تجعل الجمهور يغمض عينيه ليُبصر صوتك، لا أن تجبره على أن يفتحها على اتساعها ليُحدّق في ما لا يُغني.

والصمت هنا جريمةٌ مزدوجة: صمت الجهات التي يُفترض أن تكون حارسةً للذوق العام فتركت الباب موارباً لكل عابرٍ يريد أن يمتطي المسرح بضاعةً مكشوفة. وصمت الجمهور الذي استبدل التصفيق للفن بالتصفيق للفتنة، فشجع كل متسلقٍ على أن يجعل من جسده سلّماً للشهرة.

إن المسرح مرآة الأمة. فإذا انكسرت المرآة، تشوّهت ملامحنا جميعاً. وإذا استمر هذا السباق المحموم نحو القاع، فلن نجد بعد حين مسرحاً، بل سوقاً نخّاسة تُباع فيها القيم بالمزاد العلني، والخاسر الأكبر هو ذاك الإرث المهيب الذي اسمه “الفن السوداني”.

ليست الدعوة إلى ثوبٍ من الخيش، بل إلى ثوبٍ من الحياء. ليس المطلوب وأد الجسد، بل إحياء الموهبة التي دُفنت تحته. فليكن المعيار واضحاً: من أراد أن يُطرب فليفتح حنجرته، لا خزانة ملابسه. ومن أرادت أن تُخلّد اسمها، فلتغرسه في ذاكرة الناس لحناً، لا فضيحةً.

فالفن الذي لا يحترم جمهوره، لا يستحق أن يطلب من الجمهور احتراماً. والخشبة التي لا تُصنع عليها الكرامة، جديرةٌ بأن تُغلق ستارتها إلى الأبد.

*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى