
حينما توقف دولاب العمل في مؤسسات ولاية الجزيرة بفعل تداعيات الحرب، لم يكن الخيار أمام الأمانة العامة للحكومة سوى إعادة تعريف مفهوم الإدارة ذاتها. من هذا المنطلق انطلقت مسيرة الأستاذ مرتضى البيلي، أمين عام حكومة الولاية، في مقاربة تقوم على الانتقال من إدارة الأزمات عبر المكاتب المغلقة إلى إدارة ميدانية مباشرة تضع المواطن وخدماته في قلب الأولوية.
لم تكن الجولات التي قادها البيلي على محليات مدني، الحصاحيصا، وشرق الجزيرة زيارات تفقدية شكلية. لقد تحولت إلى أداة عمل يومية لقياس الجاهزية الفعلية للمستشفيات، ومحطات المياه، ومكاتب الخدمة المدنية، والوقوف على العقبات التي تحول دون عودة الخدمة إلى مستواها المقبول.
ينطلق هذا المنهج من قناعة راسخة يعبر عنها البيلي بأن “زمن إدارة الدولة من خلف المكاتب قد ولى”. فالإدارة الحقيقية، في تقديره، تبدأ حيث تنتهي اللوائح وتظهر الحاجة الإنسانية المباشرة.
وعلى هذا الأساس، بادرت الأمانة العامة إلى إنشاء غرف طوارئ مصغرة على مستوى المحليات، ترفع تقاريرها بشكل مباشر وفوري إلى مركز القرار بالولاية. هذه الآلية خفضت زمن الاستجابة للأعطال الطارئة في البنى التحتية، وجعلت من الممكن معالجة عطل في محطة مياه أو نقص في الإمداد الدوائي خلال ساعات بدلاً من أسابيع.
إن أثر هذا التحول لا يقف عند سرعة المعالجة فحسب، بل يتعداه إلى خلق منظومة رقابة متبادلة بين المركز الولائي والمحليات. فحين يشعر المدير المحلي أن هناك متابعة ميدانية حقيقية، يرتفع مستوى الانضباط والالتزام، وتتحول المبادرة الفردية إلى سلوك مؤسسي.
لم يقتصر دور الأمانة العامة على المتابعة، بل امتد إلى إعادة تأهيل الكادر الإداري نفسياً ومهنياً، وربط الحوافز بالإنتاج، وإزالة التشوهات التي أحدثتها سنوات الترهل الإداري.
أن ما تقوم به أمانة حكومة الجزيرة اليوم يمثل نموذجاً لإدارة الدولة في مرحلة ما بعد الصدمة. نموذج يدرك أن إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة لا تتم بالخطابات، بل بخدمة تصل في وقتها، بماء يجري في الأنابيب، وبمريض يجد سريراً ودواء.




