
لأول مرة منذ سنوات، نشعر أن ولاية الجزيرة لا تتحدث عن الأمنيات، بل تتحدث عن الأدوات. ولا تبيع الوهم، بل تضع الخطة. ما كشفه مفوض الاستثمار الأستاذ أمير يحيى هارون ووزير المالية الأستاذ عاطف أبوشوك خلال جولة مصانع مدني، ليس مجرد تصريحات عابرة، بل هو تحول استراتيجي في عقلية إدارة الاقتصاد في الولاية.
التشخيص الصحيح.. نصف العلاج
ظلت مشكلة الجزيرة لعقود أنها تبيع ذهبها تراباً. نحن الولاية الوحيدة في السودان التي تملك كل شيء: الأرض الخصبة، والمياه، والإنسان المنتج، والموقع في قلب السودان، ومع ذلك نصدر منتجاتنا خاماً بأبخس الأثمان.
أن يأتي وزير المالية ويقول بوضوح: *سنعمل على تطوير سلاسل القيمة المضافة*، فهذا يعني أن الدولة شخصت المرض. لم يعد هدفنا أن ننتج جوال فول أكثر، بل أن نحول جوال الفول إلى زيت وعلف وطحينة. لم يعد هدفنا أن نربي الماشية، بل أن نحولها إلى لحوم مصنعة وألبان وأجبان وجلود. هذا التشخيص هو نصف العلاج. فحين تعرف أن مشكلتك في أنك تبيع الخام، ستعمل على بناء المصنع.
الخطة الرباعية.. لأول مرة إدارة بفكر مؤسسي
ما يميز خطة مفوضية الاستثمار أنها ليست خطة فرد، بل خطة مؤسسة. أربعة أركان متكاملة، كل ركن يكمل الآخر:
*الركن الأول: المفوضية.* ولاية الجزيرة كانت تحتاج إلى بيت واحد للاستثمار. سابقاً كان المستثمر يدور بين المالية والأراضي والصناعة والمحلية. اليوم هناك بيت واحد هو المفوضية. هذا هو الشباك الواحد الذي يحارب الفساد ويختصر الزمن.
*الركن الثاني: المنصة.* نحن في عصر الرقمنة. المستثمر في السعودية أو قطر لن يركب الطائرة ليأتي ويسأل عن الفرص. المنصة الاستثمارية تجعل الفرص تذهب إليه. يدخل من هاتفه، يشاهد الفرص، يحمل الدراسات، ويقدم طلبه. هذه هي لغة العالم اليوم.
*الركن الثالث: الخارطة.* وهذه هي العبقرية بحد ذاتها. الخارطة الاستثمارية تعني أننا لا نترك المستثمر تائهاً. نقول له: يا مستثمر، إذا أردت مصنع زيوت فاذهب إلى المناقل حيث السمسم، وإذا أردت مصنع ألبان فاذهب إلى الحصاحيصا حيث الأبقار. تخطيط علمي يربط الصناعة بالإنتاج.
*الركن الرابع: محافظ التمويل.* وهنا الضربة القاضية. كل خطط الاستثمار في السودان كانت تفشل بسبب التمويل. البنوك لا تمول إلا بالضمانات المستحيلة. اليوم الولاية تقول: سنوفر محافظ تمويل خاصة للاستثمار الصناعي. هذا يعني أن ابن الجزيرة الفقير الذي يملك فكرة عبقرية، سيجد من يموله. هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يخلق طبقة صناعية من أبناء الولاية، لا مجرد استيراد مستثمرين من الخارج.
المصانع القائمة.. شهادة نجاح لا فشل
البعض قد ينظر إلى شكوى مصانع سودا فوم وذات العماد من الكهرباء والوقود كفشل، لكني أنظر إليها كشهادة نجاح.
وجود مصنع ينتج 3000 لوح عازل حراري يومياً في مدني، في ظل كل هذه الظروف، هو دليل على أن بيئة الجزيرة ولادة للصناعة. هؤلاء الصناعيون صمدوا رغم انقطاع الكهرباء وشح الوقود. فكيف لو وفرنا لهم الكهرباء والوقود؟ سينتجون عشرة أضعاف.
جولة والي الجزيرة ووزير المالية والمفوض في هذه المصانع هي رسالة طمأنة: الدولة ترى مصانعها، وتسمع شكواها، وستحل مشاكلها. حل مشكلة الكهرباء والوقود لهذه المصانع سيكون هو أفضل دعاية لجذب مستثمرين جدد. فالمستثمر الجديد سيسأل المصنع القديم، فإذا قال له: الدولة حلت لي مشكلة الكهرباء، سيأتي مطمئناً.
الخلاصة: الجزيرة على الطريق الصحيح
ما يحدث في ملف الاستثمار بولاية الجزيرة اليوم ليس مجرد نشاط إداري، بل هو تحول فكري. نحن ننتقل من عقلية الجباية إلى عقلية الإنتاج، ومن عقلية بيع الخام إلى عقلية تصنيع القيمة، ومن عقلية الفرد إلى عقلية المؤسسة. خطة بأربعة أركان واضحة، يقودها وزير مالية يفهم القيمة المضافة، ومفوض استثمار يملك الأدوات. هذا ما كنا ننتظره منذ سنوات.
المطلوب الآن هو الإسراع في التنفيذ، وتفعيل المنصة والخارطة، وإطلاق محافظ التمويل، وحل مشكلتي الكهرباء والوقود للمصانع القائمة بشكل عاجل. إذا فعلنا ذلك، فإن ولاية الجزيرة لن تكون فقط سلة غذاء السودان، بل ستكون مصنع غذاء السودان، وورشة صناعته، وقاطرة نهضته.
ولأول مرة، يمكن أن نقول: الجزيرة وضعت يدها على المفتاح الصحيح.
*معاوية السقا – المحور نيوز*




