
لسنوات طويلة وولاية الجزيرة تمارس عادة اقتصادية غريبة، تبيع الذهب تراباً، وتهدي ثروتها للآخرين ليصنعوها ويبيعوها لها بأضعاف الثمن. نزرع القطن ونصدره خام، ثم نستورده قماشاً. ننتج السمسم والفول ونبيعه حباً، ثم نستورد زيته. نربي الماشية ونبيعها حية، ثم نستورد لحومها معلبة. هذه الحلقة المفرغة هي التي جعلت أغنى ولاية زراعية في السودان، تعاني من البطالة وضعف الإيرادات.
خلال جولة مصانع محلية مدني الكبرى، جاء حديث رجلين ليكسر هذه القاعدة، وزير المالية والاقتصاد الأستاذ *عاطف محمد إبراهيم أبوشوك* ومفوض الاستثمار الأستاذ *أمير يحيى هارون*.
*أولاً.. فلسفة عاطف أبوشوك: من الجباية إلى خلق الثروة*
الرجل لم يتحدث بلغة المالية التقليدية التي نعرفها، لغة الرسوم والجبايات والتحصيل. بل تحدث بلغة جديدة: *تطوير سلاسل القيمة المضافة*.
ماذا يعني هذا؟ يعني أن وزارة المالية قررت أن تتحول من مجرد محصل للضرائب، إلى شريك في خلق الثروة. بدلاً من أن تأخذ ضريبة على جوال سمسم خام، ستدعم إنشاء مصنع لعصر السمسم، فتأخذ ضريبة أكبر، وتخلق وظائف، وتوفر عملة صعبة.
هذا الفكر لو طبق، سيجعل كل منتج زراعي في الجزيرة يمر بثلاث أو أربع مراحل تصنيع داخل الولاية قبل أن يخرج منها. القطن يتحول إلى غزل ونسيج، والفول إلى زيت وعلف، والألبان إلى أجبان وزبادي، والجلود إلى أحذية وحقائب. كل مرحلة هي مصنع، وكل مصنع هو وظائف، وكل وظيفة هي استقرار أسرة.
التزام وزارة المالية بتشجيع الاستثمار ودفع عجلة الإنتاج كما قال أبوشوك، هو إعلان وفاة للاقتصاد الريعي، وميلاد للاقتصاد الصناعي.
*ثانياً.. حقيبة أمير يحيى: أربعة مفاتيح للاستثمار*
إذا كان أبوشوك يملك الفلسفة، فإن أمير يحيى يملك المفاتيح. الرجل كشف عن منظومة استثمارية متكاملة من أربعة أركان لم تكن موجودة من قبل.
*المفتاح الأول: مفوضية متخصصة للاستثمار.* شباك واحد ينهي معاناة المستثمر من اللف بين الوزارات.
*المفتاح الثاني: المنصة الاستثمارية.* تحول رقمي يجعل المستثمر في الرياض أو دبي يشاهد الفرص في الجزيرة وهو في بيته.
*المفتاح الثالث: الخارطة الاستثمارية.* وهي الأهم، فهي تقول للمستثمر أين تستثمر بالضبط، وما هو المشروع الأنسب لكل محلية، بدلاً من العشوائية.
*المفتاح الرابع: محافظ للتمويل.* وهنا مربط الفرس، فكثير من شباب الجزيرة لديهم أفكار صناعية عبقرية لكنهم لا يملكون رأس المال. هذه المحافظ ستمول المصانع الصغيرة والمتوسطة.
*الامتحان في مصنع سودا فوم*
لكن، وكما يقول المثل السوداني “الكلام في الميدان”. الجولة شملت *مصنع سودا فوم للمنتجات البلاستيكية* الذي ينتج 3000 لوح عازل حراري يومياً، ومصنع ذات العماد للحديد. والمفاجأة أن شكوى المصنعين القدامى هي نفسها: *الكهرباء والوقود*.
وهنا السؤال الجوهري: كيف نقنع مستثمراً جديداً بالقدوم، ومصنعنا القائم يئن من انقطاع الكهرباء؟
المستثمر الذكي أول ما يفعله هو الاتصال بصاحب مصنع قديم ويسأله: كيف الشغل معاكم؟ فإذا كانت الإجابة “الكهرباء قاطعة والجاز ما في”، فلن يأتي ولو قدمت له ألف خارطة.
لذلك، فإن نجاح خطة عاطف وأمير لا يقاس بعدد الخرائط والمنصات، بل يقاس باستمرار التيار الكهربائي في مصنع سودا فوم، وتوفر الوقود لمصنع ذات العماد.
ولاية الجزيرة لا تحتاج لشعارات جديدة، تحتاج لكهرباء لا تنقطع، ووقود لا ينضب. فإن توفرا، فإن الذهب الذي كنا نبيعه تراباً، سيعود إلينا سبائك مصنعة.
*بقلم: معاوية السقا – المحور نيوز*



