
عبدالعزيز مكاوي محمد – يكتب
نعلم جيدًا أن الصربي داركو نوفيتش لم يكن، من وجهة نظرنا الفنية، في مستوى طموحات نادٍ بحجم المريخ وتاريخه وجماهيريته، لكننا آثرنا الصمت طويلًا، ووضعنا مسؤولية استقرار النادي فوق كل اعتبار، إيمانًا منا بأن المرحلة كانت تتطلب الالتفاف حول مجلس الإدارة، ودعمه في مساعيه لإعادة ترتيب البيت المريخي من الداخل، بعيدًا عن كل ما من شأنه أن يشق الصفوف أو يهدد استقرار الكيان.
لم يكن تحفظنا عن انتقاد المدرب نابعًا من قناعتنا بقدراته الفنية، وإنما كان انحيازًا لمصلحة المريخ، وحرصًا على عدم إضافة مزيد من الأعباء إلى مرحلة تحتاج إلى التكاتف والعمل المشترك. غير أن ما حدث في الفترة الماضية، وما أظهره الفريق من تراجع فني وغياب للهوية، يجعل الحديث عن الأخطاء ضرورة لا يمكن تجاوزها.
مدرب لا يتناسب مع حجم المريخ
داركو نوفيتش، وفق قراءتنا لمسيرته وإمكاناته الفنية، لم يكن من الأسماء اللامعة في قائمة المدربين الصرب الذين يملكون سيرة تدريبية كبيرة تتناسب مع طموحات نادٍ ينافس على البطولات القارية. وقد تحفظنا على هذا الاختيار منذ وقت مبكر، لكننا وضعنا مصلحة المريخ واستقراره في المقام الأول، وفضّلنا منح التجربة فرصتها بدلًا من الدخول في سجالات قد تنعكس سلبًا على الفريق.
ومع مرور الوقت، اتضحت ملامح المدرسة التدريبية التي يعتمد عليها المدرب الصربي؛ إذ غلب الطابع الدفاعي على أداء الفريق، وأصبح التنظيم التكتيكي، في كثير من الأحيان، على حساب الفاعلية الهجومية وصناعة اللعب. وبدا المريخ وكأنه فريق بلا هوية فنية واضحة، يعاني في فرض شخصيته، حتى أمام أندية من مؤخرة ترتيب الدوري الرواندي، التي نجحت في الوقوف أمامه ندًا لند.
وهنا يبرز السؤال: كيف لنادٍ بحجم المريخ، يمتلك تاريخًا أفريقيًا وجماهيرية واسعة وعناصر ذات قيمة فنية، أن يظهر بهذه الصورة، دون أن تكون له شخصية واضحة داخل الملعب وقدرة مستمرة على فرض إيقاعه وصناعة الفارق؟
مجلس الإدارة اجتهد.. لكن التوظيف الفني غاب
لا يمكن إنكار المجهود الكبير الذي بذله مجلس الإدارة في إعادة ترتيب البيت المريخي من الداخل، كما لا يمكن تجاهل تحركاته في ملف التسجيلات، واستقطاب أسماء تمتلك قيمة فنية وقدرات كان من الممكن أن تشكل إضافة حقيقية للفريق.
لكن المشكلة، في تقديرنا، لم تكن في الأسماء وحدها، بل في كيفية توظيفها داخل الملعب، واختيار المنظومة التي تستثمر إمكاناتها وتحوّلها إلى قوة حقيقية. فالتعاقد مع لاعبين مميزين لا يكفي وحده لتحقيق النجاح، ما لم يقابله جهاز فني قادر على قراءة إمكاناتهم، وتحديد أدوارهم، وصناعة الانسجام بينهم.
ونقولها بوضوح: لو أُسندت المهمة الفنية إلى مدرب بحجم الفرنسي دييغو غارزيتو، بما يمتلكه من خبرة سابقة مع المريخ ومعرفة بأجواء المنافسات الأفريقية، لكان من الممكن أن يذهب الفريق بعيدًا في هذه النسخة، في ظل الأسماء التي وفرها مجلس الإدارة. وهذا رأي فني لا ينتقص من جهود المجلس، بل يؤكد أن حسن الاختيار في الجهاز الفني لا يقل أهمية عن جودة الانتدابات.
إبعاد صانع الألعاب.. علامة استفهام كبيرة
من أبرز القرارات التي تثير التساؤلات في تجربة داركو نوفيتش، إبعاد صانع الألعاب الكاميروني ناثان، رغم أن التعاقد معه كان يستهدف، بحسب ما بدا من احتياجات الفريق، معالجة مشكلة صناعة اللعب وربط خطوط الفريق.
إن وجود لاعب يمتلك القدرة على صناعة الفرص وتمرير الكرات الحاسمة يمثل عنصرًا مهمًا في بناء الهجمات، خصوصًا لفريق يحتاج إلى المبادرة الهجومية وفرض السيطرة على منافسيه. ولذلك، فإن إبعاد لاعب في هذا المركز، دون ظهور بديل يقدم الإضافة المطلوبة باستمرار، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول رؤية المدرب وطريقته في التعامل مع العناصر المتاحة.
كما أن الاعتماد المتكرر على اللاعب الجاهز، دون تطوير واضح للمواهب الوطنية أو منح العناصر الشابة فرصًا حقيقية لإثبات قدراتها، يظل أحد الجوانب التي تستحق المراجعة. فعلى امتداد الفترة التي قاربت عامًا ونصف العام مع المريخ، كنا ننتظر ظهور بصمة فنية أكثر وضوحًا، سواء على مستوى تطوير اللاعبين أو صناعة الفوارق أو بناء فريق قادر على المنافسة بثبات.
أخطاء فنية وفرص ضائعة
لم تكن ملاحظاتنا على التجربة الفنية وليدة الخروج الأفريقي وحده، بل سبقتها مؤشرات كان ينبغي التعامل معها بجدية. ومن بينها خسارة المريخ أمام الهلال بهدف، في مباراة كانت نتيجتها قابلة للنقاش الفني، وما صاحبها من تساؤلات بشأن إدارة الفريق والقرارات المتعلقة بالجهاز الفني.
وقد كان لمجلس الإدارة، في تقديرنا، أن يعيد تقييم التجربة الفنية في وقت مبكر، بدلًا من الاستمرار في منحها الفرص رغم تكرار المؤشرات السلبية. فالتغيير في الوقت المناسب ليس بالضرورة اعترافًا بالفشل، بل قد يكون خطوة ضرورية لتصحيح المسار وحماية مشروع النادي الرياضي.
ويُذكر في هذا السياق أن المريخ تقدم بشكوى بشأن مشاركة محترفين مع الهلال، وانتهى الأمر لصالح المريخ، وفق ما أُعلن عن القضية، ليعود لقب الدوري إلى القلعة الحمراء. لكن البطولات والنتائج الإدارية، مهما كانت أهميتها، لا تعفي الجهاز الفني من مسؤوليته عن بناء فريق يقدم كرة قدم تليق باسم النادي.
المريخ يحتاج إلى مشروع فني طويل الأمد
ما يحتاج إليه المريخ اليوم ليس مجرد التعاقد مع مدرب جديد لإطفاء حريق المرحلة، وإنما اختيار اسم يمتلك شخصية قوية وخبرة كبيرة وسيرة تدريبية حافلة بالإنجازات، وقادرًا على التعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية، وإدارة غرفة الملابس، وبناء فريق تنافسي.
ونرى أن يكون التعاقد مع المدرب الجديد ضمن مشروع واضح يمتد لثلاث سنوات، مع وضع أهداف مرحلية محددة، تشمل بناء تشكيلة متوازنة، وتطوير المواهب الوطنية، وتحسين مستوى المحترفين، وترسيخ هوية فنية هجومية متوازنة، وإعادة المريخ إلى مكانته الطبيعية في المنافسات الأفريقية.
ومن الأفضل، إذا سمحت الظروف وتوافرت الخيارات المناسبة، أن تتجه الإدارة إلى مدرب سبق له التتويج بدوري أبطال أفريقيا أو كأس الكونفدرالية الأفريقية، أو يمتلك سجلًا قويًا في المنافسات القارية. فالمريخ يحتاج إلى خبرة تعرف طريق البطولات، لا إلى تجربة جديدة تُستهلك سنواتها في البحث عن الهوية.
نحن مريخاب.. ومصلحة الكيان فوق الأشخاص
لسنا أصحاب خط للتطبيل أو تمجيد الشخصيات، ولا ننطلق في مواقفنا من خصومات شخصية أو حسابات ضيقة. نحن مريخاب أحرار، ندعم مجلس الإدارة ونقف معه جنبًا إلى جنب، ونقدّر ما يبذله من جهود، لكن دعمنا لا يعني أن نصمت عن الأخطاء، كما أن انتقادنا للقرارات الفنية لا يعني الوقوف ضد المجلس.
الفرق كبير بين معارضة تستهدف هدم الاستقرار، ونقد يسعى إلى حماية النادي وتصحيح المسار. ونحن نؤمن بأن المريخ أكبر من الأشخاص، وأن المسؤولية الحقيقية تقتضي قول الحقيقة، حتى عندما تكون قاسية، لأن المجاملة لا تبني فريقًا، والصمت لا يعالج الخلل.
أما المريخ، فهو عشق لا تربطه بنا نتيجة مباراة، ولا يتوقف على تأهل أو بطولة. سنظل أوفياء لهذا الكيان في كل الظروف، في أيام الانتصارات كما في لحظات الانكسار، وحتى لو كتب عليه يومًا أن يهبط إلى الدرجة الأولى، فلن تنطفئ شمس حبه في قلوبنا، ولن نتخلى عنه مهما اشتدت الظروف.
قدر الله وما شاء فعل.. يبقى المريخ عشقًا لا تهزمه الخسائر، وكيانًا لا تختصره بطولة، وتاريخًا أكبر من كل الأسماء.




